|
حكمة المرض
بقلم:
وسام عمري
(أبو
مجد)
إن الحياة أو الفترة الزمنية التي يعيشها الإنسان في هذه الحياة
مليئة بالأحداث، منها ما تؤدي للسعادة وأخرى إلى التعاسة. فتجد الشيء ونقيضه
تماماً، فأنت تفرح في بعض الأحيان وتحزن في أخرى، تضحك وتبكي، تغضب وتهدأ، تنجح
وتفشل
...
هذه سنة
الله في خلقه الذي خلق كل شيء وأحسن وأبدع في خلقه.
لا بد أنك أخي القارئ قد مرضت يوماً، واشتدت عليك الآلام والأوجاع
(ألم
في الرأس، البطن، الأسنان، المعدة
...،
ولم تستطع عيناك أن تغمضا، وسهرت الليل بطوله والناس من حولك نيام، تصرخ من شدة
الألم وأعز الناس عليك في سبات، لا بد بأنك عشت تلك اللحظات الصعبة والأليمة مرةً.
تحدّق بعينيك وجفونك ثقيلة، لا تقدر على النهوض وتُجبر على أن تبقى في الفراش
فالليلة بردها شديد، تتمنى أن يبزغ الفجر بنوره، وتشرق الشمس بأشعتها، لعلّ وعسى
تشرق معها الراحة والشفاء وتتخلص من هذه المرارة والأوجاع
....
فتعلم أن
الموت أحياناً حنون!.
والغريب أنك في تلك اللحظات لو قُدّم إليك ما كنت تتمناه مدى
حياتك لاحتقرته، أي لو قُدّم إليك أشهى وأفخر المأكولات
...
لا تأكل،
ولا تغريك أجمل نساء العالم وأفتنهنّ، ولا تهتم بالقناطير المقنطرة من الذهب والفضة...
فعندك ما يلهي عن ذلك كله.
حينئذٍ فقط تتذكّر بأنك كنت تعيش
(قبل
المرض)
في نعيمٍ كبير، لم تشعر به من قبل، وأن البيت الضخم الذي تسكن فيه، والسرير الناعم
الذي تنام عليه، والسيارة الجديدة التي تقودها، والأموال التي تدخرها، والجاه الذي
تحافظ عليه....
كل هذا بلا قيمة، ولا يساوي جناح بعوضة، فكلك استعداد أن تتنازل عن كل هذا مقابل أن
تنام ليلتك الباردة في فراشك الدافئ، وتتخلص من الأوجاع والمرض الذي ينخر في جسدك.
فمن المعلوم أن الإنسان في حالة المرض يضعف ويذبل، فيتوجه إلى ربه
بالدعاء، ويندم على ما أسرف من اللعب واللهو.
(وإذا مسّ الإنسان الضُّرّ دعانا لجنبه أو قاعداً أو قائما فلمّاً كشفنا عنه ضُرّهُ
مرّ كأن لّم يدعنا إلى ضُر مسّهُ كذلك زيُّن للمسرفين ما كانوا يعملون).
وقد كتب الكثير من شعراء العرب عن هذه اللحظات المرضية وأبدعوا
بالقصائد والأبيات المؤثرة، فهذا أبو العتاهية يقول وهو يتوجع من الألم:
إلهي لا تعذبني فإني
مُقرٌّ بالذي قد كان مني
فما لي حيلتي إلا رجائي
لعفوك فاحطط الأوزار عني
وكم من زلة في الخطايا
وأنت عليّ ذو فضل ومنّ
إذا فكرت في ندمي عليها
عضضت أناملي وقرعت سني
وأعتقد أن للمرض حكمة عظيمة، وتنبيه من رب العالمين، يذكّر به
عباده الغافلين:
يا إنسان مهما علمت وارتقيت وتسلطت وتجبرت، ها هي أبسط الأمراض تضعفك وتجعلك
حزيناً، فلا ينفعك مالك الذي توحشت لتحصيله، ولا جاهك الذي استفحلت من أجله، ولا
أولادك الذين ألهوك عن ذكر الله.
فلا تتكبر بعد اليوم، ولا تظلم ولا تغريك الحياة عن الآخرة.
تصيبك الأمراض وكأنها دروس ربانية، فاللبيب اللبيب مَن فهم الدروس
قبل نتيجة الامتحان، وبئس المصير لمن لم يفهم، ومرّ على الدروس بالاستهتار
واللامبالاة، لأن هذا الامتحان ليس ككل الامتحانات، فلا إعادة، ولا تزوير، ولا
تأجيل، ولا مراجعة، فيقول الله تعالى:
(...
فيقول
ربّ لولا أخّرتني إلى أجل قريب فأصّدّق وأكن مّن الصالحين
*
ولن
يؤخّر الله نفساً إذا جاء أجلُها والله خبير بما تعملون).
قد يقول قائل ما الداعي لهذه الفلسفة، إن الأمراض الجسدية التي
تصيب الإنسان تنشأ بأسباب بيولوجية مثل:
التلوث، التغير في حالة الطقس، جرثومة، تسمم
...
، أقول
أولاً الفلسفة هي أرقى العلوم وأعظمها
(حب
الحكمة)
،
لذلك القول
"فلسفة
الأمور"
هذا مدح عظيم وليس ذم.
ثانياً أنا لا أقول إن هذه الأمراض ليست بحاجة للعلاج، وإلى الأطباء والمختصين،
ولكن على الإنسان أن يستنتج العبر من هذه اللحظات المرضية.
ثالثاً أردت لفت الانتباه لضعف الإنسان وعجزه للتحكم في مصير المجتمع والأمة، فنحن
نرى بوضوح الحالة النفسية المضطربة والمتشائمة التي تصيب الإنسان عند المرض، فلا
يستطيع إعطاء الحلول السليمة والمتزنة.
ما أجمل
أن يعرف الإنسان أنه
(فوق
كل ذي علم عليم)
أي كل ما زاد علمه عرف ضعفه وعجزه، وأيقن بوجوب وجود مرجعية ربانية ثابتة، لا تتأثر
بأي وضع كان
(ضعف،
مرض، غريزة
...)،
فهذه المرجعية تعطيه الأمان والاستقرار وتوصله إلى السعادة في الدارين الأولى
والآخرة.
والله من وراء القصد، والله ولي التوفيق
|