|
تطبيقٌ وليس تنظير
بقلم: وسام عمري (أبو مجد)
إنّ هذه المرحلة الزمنية أصعب وأخطر مما يظنّ البعض، وأخطر ما فيها تطور المجتمع
البشري على هذا الكوكب الذي نعيش فيه والذي انكمش وتقلص حتى أصبح كقرية صغيرة بفضل
المواصلات والاتصالات.
قد يقول البعض: وما الخطر في هذا التطور؟. نعم هناك خطرٌ كبير يكمن في هذا
التطور، لأن هذه القفزة العلمية ليست من صنع أيدينا ولم تنتج من تطور تدريجي في
تفكيرنا وعلمنا، إنما نُسجت وحيكت على يد غيرنا فهي غير نابعة من ثقافتنا ووجداننا،
ونحن للأسف ما زلنا مجتمعات بدائية جاهلة، فالجاهل دائماً تغريه شكليات الأمور، ولا
يتعمق في بحور العلم والفكر، ولا يتحرى الحق من الباطل، ولا يميز بين الحسن
والقبيح.
حقّاً أصبح العالم كقرية صغيرة، والقرية الصغيرة كما هو معلوم من السهل غزوها
واحتلالها والسيطرة عليها، وهذا هو حال عالمنا اليوم، فمن هو الغازي والمحتل
والمسيطر؟ هي قوى رأسمالية مادية احتكرت كل ما دونها، لا دين ولا ضمير ولا أخلاق
يميزها، والهدف عندها كسب المال والشهرة والقوة بأسرع وقت ممكن وبأقل تكلفة،
(الغاية تبرر الوسيلة). قال صلى الله عليه وسلم: (من احتكر طعاماً أربعين يوماً،
فقد برىء من الله تعالى، وبرىء الله منه).
والدليل القاطع على ما أقول، أنه بالرغم من هذا التطور الرهيب الذي نشهده اليوم
في جميع مجالات الحياة، لا يزال الملايين من الناس يموتون جوعاً، وما زال الملايين
أيضاً يُقهرون ويظلمون بأبشع الصور وأحقرها، وكما تدل التنبؤات الأخيرة أن هنالك
خطر المجاعة لكثير من الملايين في إفريقيا وغيرها في السنوات القادمة القريبة.
فعلينا احتقار العلم الذي يوصل المكوك للفضاء، ويوصل الصاروخ النووي من الغرب إلى
الشرق، ويعجز أن يوصل لقمة خبز لطفل جائع، ويعجز أن يوصل الحرية لشاب مقهور.
وسأضرب لكم مثالا حياً من حياتنا اليومية، وهو فقط من أحد مظاهر هذا الغزو الذي
نعاني منه والذي سيطر علينا كلياً "برنامج ستار أكاديمي" هذا البرنامج الذي هزمنا
جميعاً وانتصر علينا، وهذا واضح على تصرفات أبنائنا، فمنذ سنوات عديدة نطلب ونتوسل
من طلاب مدارسنا أن يحفظوا: جدول الضرب، آيات قرآنية، أبيات شعر، الأحرف الأبجدية،
الأشهر القمرية.... ولكن قليل هم الحفظة، بالرغم من استعمال جميع الوسائل: حسية
وملموسة ومن ترغيب وترهيب، بينما وبلمح البصر يحفظ هؤلاء الطلاب كل شيء عن
المشاركين في هذا البرنامج: أسمائهم، أطوالهم، جنسياتهم، هواياتهم، شذوذهم.....
أياماً وراء أيام نطلب منهم الجلوس ساعة للدراسة ولكن... هيهات... هيهات، فيجلسون
ساعات وساعات أمام شاشات التلفاز، يحدقون ولا يرمشون أبداً شغفاً وحباً في أبطال
هذا البرنامج، وكأن هذا البرنامج ساحر سحر المراهقين من أبنائنا، وسيطر على تفكيرهم
بشكل مثير للضجر والغضب.
ولكن أبناءنا ضحية لأناس جشعة باعت دينها بعرض من الدنيا (الراقصين على جراحنا).
والسؤال الذي يطرح هو، ما دور الآباء ورجال العلم والدين والتربية؟ هل نترك جيلاً
بأكمله يُستغل أسوأ استغلال؟ أم نبادر لوضع حد لهذا الانفلات واتخاذ موقف من أجل
حماية هذا الجيل الذي يضيع رويداً رويداً؟
لذلك على الأسر محاربة هذه الظواهر الفاسدة التي هي شيء بسيط نسبياً مما سيظهر
قريباً، ودائماً خير دفاع وأفضل وقاية من هذه الآفات... هي التربية ثم التربية.
أعلم أن النظريات كثيرة في التربية، ولا نريد ذكر نظريات لا صلة لها بالواقع ولا
قيمة لها، لذلك قمت بإعداد بعض النقاط الواقعية والعملية جداً التي أنصح الآباء
والأمهات بالأخذ بها والعمل على تطبيقها تدريجياً، فالضمير والمسؤولية تحتم علينا
أن نبدأ بالتغيير قبل أن تفجأنا النتيجة. قال صلى الله عليه وسلم: (إذا رأى أحدكم
منكراً فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف
الإيمان).
فها هي بعض النقاط الواقية:
·
ساعة يومية أو عدة ساعات أسبوعية تجلس الأسرة بجميع أفرادها
تناقش كل شيء، يتكلم الأب والابن والأم والبنت في أي موضوع بكل حرية وفي جو دافئ
ومشجع، يطرح الأب أو الأم قضايا الساعة بشكل علمي مدروس، من شأنها توعية الأبناء من
المخاطر والتحديات التي تواجه الإنسان الصادق الذي يحافظ على دينه وأصالته. قال صلى
الله عليه وسلم: (رحم الله والداً أعان ولده على بره).
·
مساعدة الأبناء في الدراسة وعلى حفظ آيات قرآنية وأحاديث
نبوية وشعر جميل... وغرس فيهم روح متجددة متفائلة ولكن حذرة، محبة للعمل والتغيير
كارهة للكسل والعجز.
·
إنشاء مكتبة في البيت تحتوي على كتب علمية وثقافية وفكرية
ودينية، وتعويد الأبناء على قراءة الكتب والمطالعة بصورة مستمرة حتى تتكون علاقة
ودية بين الابن والكتاب فلا يقضي جل وقته أمام برامج تلفزيونية هدفها تجاري ونشر
الرذيلة.
·
الاشتراك
في مجلات دورية دينية أو علمية سواء كانت أسبوعية أو شهرية تنمي روح الاجتهاد
والبحث العلمي.
·
مرافقة
الأبناء لحضور المحاضرات العامة في المساجد والمراكز التربوية والجماهيرية وسماع
أرائهم بشكل داعم.
·
مرافقة الأبناء لحضور خطب الجمعة والمواظبة على الدروس
وحلقات الذكر. قال صلى الله عليه وسلم: (المجلس الصالح يكفر عن المؤمن ألفي ألف
مجلس من مجالس السوء) ، وسماع ونقاش الاستفسارات التي يطرحها الأبناء، وإرشادهم
للمصادر المناسبة فلن تغني المدرسة عن المسجد، فللمسجد دور أساسي في بناء جيل
ومجتمع صالح، كما للمدرسة دور أيضاً فوجود هذه المؤسسات معاً من ضروريات الحياة
الصحيحة، وفقدان أو التقصير لواحد منها دليل اختلال واضطراب، فالمدرسة والمسجد
مكملان لبعضهما البعض وليس إلغاء الواحد للآخر. قال صلى الله عليه وسلم: (المساجد
بيوت المتقين، وقد ضمن الله تعالى لمن كانت بيوتهم المساجد بالروح والراحة، والجواز
على الصراط، والنجاة من النار إلى رضوان الرب تبارك وتعالى).
·
مكافأة
الأولاد بشراء الألعاب التي تنمي الذكاء وتقوي الذاكرة وتكسب المهارات الفكرية
وتزيد المعلومات.
·
محاربة ساعات الفراغ لأنها مدمرة، وتقديس الوقت والخروج إلى
فسح ونزهات عائلية لتقوية الروابط العاطفية بين أفراد الأسرة واستغلالها لتنمية حب
التفكر في الطبيعة وفي خلق الله. قال صلى الله عليه وسلم: (تفكُّر ساعة أفضل من
عبادة سنة).
·
تعويد الأبناء منذ الصغر على القيام بالواجبات الدينية مثل
الصلاة والصيام وحب التبرع والتصدق وعمل الخير... والابتعاد عن المعاصي والذنوب...
وجعل هذه الأمور من ضروريات الحياة واستحالة الاستغناء عنها مهما دارت الدنيا. قال
صلى الله عليه وسلم: (لو كانت الدنيا تزن عند الله جناح بعوضة ما سقى كافراً منها
شربة ماء).
·
الثواب للمجتهد والعقاب للمقصر بأساليب تربوية علمية هدفها
الهداية للصراط المستقيم. (هل جزاء الإحسان إلا الإحسان).
·
ولا ننسى الدعاء بأن يحمينا رب العالمين، ويحمي أبناءنا
ويهدينا إلى السبيل الموصل للسعادة في الدنيا والآخرة. قال صلى الله عليه وسلم: (ما
من مسلم يدعو بدعاء إلا استجيب له، فإما أن يعجل له في الدنيا، وإما أن يدخر له في
الآخرة، وإما أن يكفر عنه من ذنوبه بقدر ما دعا ما لم يدع بإثم أو قطيعة رحم).
الله من وراء القصد، والله ولي التوفيق.
|