العدد 381      الثلاثاء 31/1/2006        1 محرّم 1427هـ

طائرة لحرمان قديم.. قصة / يسري الغول

-         الطائرة ستقلع بعد لحظات، على جميع السادة الركاب التأكد من ربط الأحزمة جيداً، والامتناع عن التدخين، شكراً.

*****

  عذبٌ ذلك الصوت الذي يراودني. عذبٌ كما أسمعه الآن، بكل تضاريسه القرمزية. تلك المضيفة التي تختفي في انحناءات روحي، تتحدث بشغف من خلف القمرة الواهية، تتحدث كأنها ستطير إلى بلاد حالكة لا تعرفها. أراها تبتسم كما الموج الذي يخطفني، تتوشح عنفوان الروح وتصدح بتغريدها المتواصل، تخترق تواشيح كلماتها مسامات جسدي الذي ما زال ينتظر وصول الروح لمدينة أحبها تعج بالفوضى والبشر.

  يتمايل رأسي قليلاً، أسنده بحنو على مقعد واسع يغرقني بحزني بينما تخترق مخيلتي كل تهاويم الكون البائس، تحيطني كهالة رعب، تعاودني صورٌ ألفتها. أخترق ألبومها، تقفز من قاع الذاكرة وردي اللون، تقفز كما لم تقفز من قبل. يبدأ شريط الذكريات في استرجاع أيام حالمة توالت معي، تنبثق كما العطر الذي يفوح أريجه من أنفاس القابعة بجواري. صور كصحراء التيه في بقايا العالم الضائع، صور لها وحدها تلك التي تستند إلى جواري الآن، تعاود فيّ أيام ألفة ووداد قضيناها معاً، بعيداً عن تضاريس بلدتنا الضيقة. أبصرها ناضجة، فاتنة. أحدق بوجهها الرائق، أتيه في عينيها، أرى فيهما دموع تستعد للانطلاق. أبتسم وتبكي، تخترقني نظراتها، تبتسم بملء فكيها فتظهر من خلال شفتيها تشققات لم ألحظها هناك، أبكي ونبكي، تخبرني بعينيها لحظات وديعة قضيناها معاً، سوية في مكان واحد، قبر كبير واحد. أتأملها، أبتلعها بعينيّ فتدور عجلات الزمن الوئيد، أتساءل بيني وبيني، كيف لي أن أعود إلى المخيم وحدي؟ أغمض ذاكرتي، أفقأها حزناً وجزعاً، أنحني رعباً عن مقعدي، ألتمس الجنون، أغادرها، أطيل النظر في النافذة، أحدق بملكوت خالقي العظيم، تتراءى أمامي المدينة قادمة مع الريح، متألقة كعذراء تنضح بالحياة. شيء يهزني بعيداً، أشيح بوجهي مرة أخرى إلى مرآة الأفق الساكنة، زرقة لازوردية عذبة تنبعث كما ابتسامة رفيقتي التي تعطيني ورقة حصلت عليها أثناء غيابي في عالمي البعيد. تطلب مني تعبئتها حتى نسلمها حينما نصل أرض المطار.

  تتراكم غيوم في عينيها، تحيطني كسرب تائه عن حتفه، تطوحني، تعاودني أنفاسها، لهاثها الأنثوي، تلاحقني، تمتص شراييني الملتهبة، تشير بإصبعها لي وقتما بدأت الطائرة في الانحناء صوبي، ترشدني كي نرى العالم بعين واحدة. تنادي بداخلها آلاف المرات، تضحك، ثورة من الضحك تضج بداخلي خلالها صورة صديقي (أحمد)، رديفي. كاد يبكي ساعة أن طرقت باب غرفته الواسع، كان حبيساً طيلة اليوم ذاته، وقت أن غادرنا جميعاً ثم أخذنا نهذي بالرحلة الضائعة. حملنا أمتعتنا، والمفاتيح أيضاً. ناداني بصوت أجش ظهرت به نبرات القوة التي ما زالت تحل بجسده. شتائمه التي تطايرت في فضاء المكان. طلب مني لحظتها بأن أفتح له الباب ففتحت، بدت تقاسيم وجهه غريبة لم أعهدها من قبل، كأني لم أكن أعرفه، انتابتني موجة عارمة من الضحك، ضحك يتهاوى صداه داخل هذه الطائرة. تضع جميلتي يدها بحنو على فمي، تخنقني خوفاً من جنوني، تتأملني، تمسح الدمع الذي يترقرق، أشعر بشيء يؤرقها، يؤرقني. أحاول أن أجذبها نحوي.. أجذبها نحوي، تحول بيننا يد الكرسي المنتصبة في الوسط، أتمدد متألماً بينما يأتيني صوت المضيفة عذباً مرة أخرى:

-         دقائق ونصل أرض المطار، برجاء الاعتدال في الجلوس وربط الأحزمة جيداً، شكراً.

آه، دقائق وينتهي البحث في دروب العودة. تغادر روحي المكان، كأنها وحيدة ووحيدة تبقى، تشرع في سرد لحظات خلدتها ذاكرتي. غادرتهم جميعاً قبل ساعات من نهاري وها أنا سأغادرها الآن. تسقط دمعة ثكلى، تنزلق بينما تتشرب كفي القاحلة دموعاً حمقاء من عينيها تودعني بها، تحدثها نظراتي الخائبة فتنفجر من مقلتيها سيول الجوع لحرمان قد يأتي، تخفت شيئاً فشيئاً، تسألني:

-         هل سأراك عندما نعود؟

ولن أعود، أحاول أن أقول لها شيئاً لكنني أشعر بالطائرة قد شرعت في الهبوط. تتعلق بي، تعانق يدها الناعمة يدي التي أصبحت نهراً لبكاء قديم. تخترق أصابعها يدي، تشدد قبضتها فيّ. ترتطم عجلات الطائرة بالأرض، يتنفس كل من حولنا الصعداء، نتنفس الموت، يصفقون، نبكي. أنفض من رأسي تلك الأفكار الساقطة، أحدثها:

-         أما زلت تريدين مني الذهاب معك إلى المدينة؟

يبدأ المسافرون في الخروج، واحداً تلو الآخر.  نبقى في مقاعدنا متأخرين. أنتصب واقفاً، تهرب الذكرى الخائنة، أتحرك قليلاً، أشعر بأن في عينيها أحلاماً قرمزية، أرجوها أن تتوقف عن الذكرى:

-         الجميع ينتظر في الصالة، هيا نغادر الطائرة.

نغادر الصالة وعند الباب أتخذ مساراً آخر، أغلق عالماً قضيته معها حالماً:

-         إلى اللقاء، أراكِ لاحقاً.

أكذب، أختلق الكذبة التي تأبى الخروج لأنني أعلم بأنني لن أراها يوماً، فقط لأنني لن أعود.

   إطبع                                         أرسل إلى صديق

العودة إلى صفحة العناوين

 

مطلوب

مجلس حورة المحلي

 

 

 

 | أضفنا للمفضلة|    |  اجعلنا صفحة البداية |     | أسئلة وأجوبة |   | أحصل على الصحيفة عبر البريد | 

| مقاييس فنية |    | نماذج ضريبية |  

جميع الحقوق محفوظة لصحيفة أخبار النقب ©1988-2007