|
عندما ترتبط قطرة الماء بالسياسة
تقرير: محمد يونس
الماء شريان الحياة.. مصطلح طالما عرفه الإنسان وأقرّ بأهميته،
وجاءت المواثيق الدولية لتحفظه، وتوصي بأن تقوم الدول باحترامه بشكلٍ كامل.
وتنص المواثيق الدولية، على أن تحفظ الدولة لكل مواطنٍ من
مواطنيها الحق بالمياه، الذي يتمثل في أربعة شروط:
· مياه
متوفرة: تكفي لحاجته من الشرب، وإعداد الطعام، والنظافة الشخصية، واحتياجات البيت.
· مياه
مناسبة للشرب: تضمن عدم وجود مسببات أمراض وملوثات فيها.
· متوفرة
اقتصادياً: سعرها مناسب للجميع.
· متوفرة
مادياً: تسري المياه الجارية في كل بيت.
إلتزام منقوص
"يقول ائتلاف التنظيمات من أجل الحق بالمياه" في وثيقة أعدّها حول
هذه القضية، إن إسرائيل لم تلتزم بتوفير هذا الحقّ لمواطنيها البدو سكان القرى غير
المعترف بها في النقب، حيث أن:
· عشرات
آلاف السكان في القرى غير المعترف بها غير مرتبطين بشبكة المياه.
· يشترون
الماء بشكل شخصي، بأسعار مرتفعة، ويشترون جرارات زراعية وصهاريج من أجل نقل المياه.
·
يقضون أوقاتاً طويلة في انتظار تعبئة الصهاريج.
· تبقى
المياه في الصهاريج بضعة أيام مما يعرض المياه للتلوث.
· عدم
توفر المياه يؤثر على مستوى النظافة الشخصية وعلى صحة السكان.
مياه ملوثة
إن المياه الملوثة وغياب وسائل النظافة الشخصية يعتبران المسبب
العاشر للموت في العالم. وأهم المشاكل الناجمة عن المياه الملوثة هي تلوث المعدة
بدءاً من الإسهال وحتى الكوليرا وتيفوس البطن.
في شهر (آب)، وهو أكثر الشهور حرارةً، ينتشر "وباء الإسهال"،
ويضطر نحو 16 ألف طفل بدوي لتلقي العلاج مقابل 5000 طفل يهودي.
كما أن عدم توفر المياه له تأثير على صحة السكان. فغياب الخدمات
الأساسية في البيت أو في القرية عموماً، وغياب المواصلات العامة، واضطرار السكان
للمشي مسافات طويلة حتى الشارع الرئيس القريب من القرية، والسفر إلى المدارس، كل
ذلك يزيد الجهد الجسماني المبذول خلال اليوم، ويسبب نقص السوائل في الجسم.
وعلماً منهم أن الماء ينقص لكنهم لا يعرفون كم نقص تماماً من
الصهريج، يبقى السكان على خوفٍ وقلقٍ دائمين من نفاذ الماء، ويضطرون للاقتصاد في
ماء الشرب والطبخ، والغسيل، والنظافة الشخصية، ونظافة البيت. وبالتالي فإن هذا
"الاقتصاد" يؤثر في بيئتهم وصحتهم، ولا يتمكّنون من تحصين أنفسهم أمام انتشار
العدوى من مختلف الأمراض.
وتدلّ الإحصائيات العالمية على وجود ارتباطٍ وثيق بين "توفّر
المياه" وبين "موت الأطفال". فكلما زاد توفر المياه قلت نسبة وفيات الأطفال. وتعتبر
نسبة وفيات الأطفال البدو في النقب (وهي 15،8 لكل ألف ولادة حية) أعلى النسب في
البلاد، وثلاثة أضعاف النسبة العامة في الدولة (التي تبلغ نحو 4،7 لكل ألف) وفقاً
لمعطيات العام 2004. ورغم أن التفسير المتبع لهذه النسبة هو زواج الأقارب، لكن
العاهات المولودة يمكنها أن تفسِّر نحو 40% فقط من الفجوة في نسب وفيات الأطفال،
ويمكن الاعتقاد أنّ السبب الإضافي لهذه الوفيات هو عدم توفّر المياه وصعوبة الوصول
إليها والحصول عليها.
المياه.. عن طريق اللجنة
وخلافاً للوضع القائم بشأن سائر السكان في إسرائيل، فإن طريقة
ارتباط سكان القرى غير المعترف بها بشبكة المياه لها نظام مختلف. فعليهم الحصول على
تصريح شخصي من شركة المياه "مكوروت". من يمنح هذا التصريح في واقع الأمر، هو "لجنة
تخصيص مياه الشرب" التي تديرها مديرية النهوض ببدو النقب، وهي مديرية تابعة لدائرة
أراضي إسرائيل.
وظيفة هذه اللجنة، أن ترفع توصيةً إلى مندوب المياه لكي يصادق أو
يرفض إجراء الارتباط المطلوب. وفي الحقيقة فإن المندوب ليس إلا "ختماً مطاطياً"
تستخدمه مديرية البدو. بل إن مندوب المياه هو عضو في اللجنة، مما يجعل الحدود بين
كونها "لجنة توصية" وبين "لجنة اتخاذ قرارات" غير واضحة المعالم.
وفق قرارٍ أصدرته المحكمة العليا قبل ثلاثة أعوام، تم بلورة
إجراءات خاصة لسكان القرى غير المعترف بها في النقب لتقديم طلبات الارتباط بالمياه.
وتنص هذه الإجراءات على وجوب تنظّم السكان في مجموعات مكونة من 10 أفراد، لكي
يقدموا طلباً واحداً لارتباطٍ واحد بالمياه. ويتم تحديد هوية هذا الفرد الواحد من
قبل العائلات المعنية بالأمر، ويعتبر هذا الشخص ممثلاً لهم.
وعندما يتم المصادقة على الطلب، ويحصل هذا الشخص على الارتباط،
يقوم سائر السكان بربط وصلات خاصة بهم إلى هذا الارتباط، ويدفعون له مباشرة مقابل
استهلاك المياه. وقد نشأ عن هذا الوضع وجود ارتباطات شخصية لدى قسم من السكان،
وبالتالي نشأت حالة من عدم المساواة الداخلية في المجتمع، وصراعات مريرة حول مورد
حيوي، يفتح مجالاً أمام المتاجرة واستغلال السكان من قبل جيرانهم.
وهؤلاء الذين يحظون بالمصادقة على ربطهم بالمياه، يضطرون لمد
أنابيب المياه من نقطة المياه وحتى بيوتهم، بقواهم الذاتية وعلى حسابهم، فيما تبلغ
هذه المسافات أحياناً عدة كيلومترات.
مشاكل في شبكة المياه
إن إلقاء المسئولية على السكان، تجعلهم يتحولون رغماً عنهم إلى
خبراء في مجال مد المواسير والأنابيب. بل إن الشبكات التي يمدونها تعاني من عدد من
المشاكل:
·قطر
الماسورة الذي يتم المصادقة عليه صغير، وهو بشكلٍ عام إنش واحد، مما يجعل ضغط
المياه ضعيفاً، وبالتالي يكون من الصعوبة بمكان تزويد 100-500 نسمة بالمياه.
· كثرة
المستخدمين تؤدي إلى تشابك الأنابيب فوق سطح الأرض مما يعيق حركة المارة.
· تواجد
الأنابيب فوق سطح الأرض، يجعل المياه فيها حارة جداً في الصيف، بينما تبرد كثيراً
في الشتاء وربما تتجمد في الأنابيب ليلاً.
· تنشأ
الطحالب والصدأ في هذه الأنابيب مما يؤدي إلى تلوث المياه.
كيف تعمل لجنة المياه؟
قليلون هم السكان الذين يتم المصادقة على ربطهم بالمياه من قبل
لجنة المياه، مما يثير جملةً من التساؤلات حول عمل اللجنة، إذ:
* لا توجد معايير واضحة ومتساوية بشأن الحق في الحصول على المياه،
وليس واضحاً على أي أساس يتم اتخاذ القرارات.
* لا توجد شفافية في عمل اللجنة.
* لا يعرف مقدمو الطلبات مواعيد جلسات لجنة المياه.
* لا يتم دعوة مقدمي الطلبات لحضور جلسات اللجنة، من أجل تقديم
ادعاءاتهم أمامها.
* معظم مقدمي الطلبات لا يحصلون على ردود خطية على طلباتهم.
* معظم مكاتيب الرفض تحمل تعليلاً بأنه بإمكان السكان الانتقال
للبلدات الثابتة حيث هناك ماء. هذا مع العلم أن الملاحظة رقم 15 بشأن الحق في
المياه الذي أقرته اللجنة الاقتصادية الاجتماعية في الأمم المتحدة، تنص على أنه يجب
عدم الربط بين الحق بالمياه وبين مكانة المبنى أو الأرض.
الوثيقة الكاملة باللغة العبرية- هنا
|