العدد 385      الثلاثاء 28/2/2006        29 محرّم 1427هـ

حريتنا وحريتهم

بقلم: وسام عمري (أبو مجد)

  إن الألفاظ والمصطلحات التي يتناولها عامة الناس اليوم تحتاج منا التدقيق والتمحيص قبل التسليم والاستسلام لها، كي لا يختلط الباطل بالحق، وتتشوه القيم وتختل الموازين، فتتحول المفاهيم من إيجابية إلى سلبية أو العكس دون أن نعير ذلك اهتماماً.

  فما أكثر الذين يرددون كلمة الحرية على أفواههم، وما أكثر المطالبين بالحرية، فالجميع يبحث عن الحرية: الصغير والكبير، الجاهل والعالم، الرجل والمرأة.

  والسؤال الذي يُطرح، هل يفهم الجميع حقيقة الحرية؟ أم اختلطت المفاهيم وصارت الحرية عبادة كل شيء ما عدا الله؟!

  مما لا شك فيه أن الحرية كلمة من أروع الكلمات، ومفهومها عظيم، وممارستها من أروع الأمور، وهي ضرورة من ضروريات الحياة، فهي الدليل على إنسانية البشر وهي مقياسٌ للحضارة ومعيارٌ للرقي والتقدم، فوجودها شرط أساسي للعمل والإيمان والإبداع والتطور، وانعدامها سبب رئيس في الجهل والعصيان والتخلف والانحطاط. وعدم فهم الحرية وعدم وضعها في الإطار الصحيح من أخطر المخاطر وأكثرها دماراً للمجتمعات.

  إن هؤلاء الذين يتشدقون وينادون من حناجرهم الغليظة بالحرية ويطالبون بتحقيقها بدون أن يعوا مفهومها وهدفها،  تجد منهم الذي يفعل كل شيء، المسموح والممنوع، الجيد والقذر من أجل كسب المال والحصول على مكسب دنيوي، أليس هذا عبد للمال؟ يفعل ما يُؤمر ولا يستطيع أن يتحرر من غريزة التملك والغنى.

  وتلك المرأة المخدوعة التي تُجري إلى ما لانهاية من عمليات التجميل فتعاني وتتألم من أثر العمليات الجراحية أشد ألم، وتصرف الغالي والنفيس من أجل أن يُقال عنها جميلة، هل هذه حرة؟! أم عبدة ومُستغلة تفعل ما تُؤمر من رجال الموضة والمكياج. ووصل الحد من الانحلال الخلقي أن تنقل وسائل الإعلام عن رسام دانماركي يرسم كاريكاتير يُسيء لشخص أشرف الخلق محمد صلى الله عليه وسلم باسم "حرية الصحافة". هذا الرسام الحاقد يستهزىء بمن أخرج الناس من الظلمات إلى النور وأشرق بشمس لا تغيب، نورها ملأ الشرق والغرب بالعدل والحرية والأخلاق الحميدة، هذا الرسام ليس حراً ولا يعرف للحرية سبيلاً، يدوس "بحريته" على حرية أكثر من مليار إنسان. أتساءل وأنا مستغرب ولكل من يفهم الحرية بأنها -إفعل ما تشاء وكيفما تشاء بلا حدود ولا أخلاق ولا حياء ولا مراعاة لحرية الآخرين – هذا تزوير باطل لأنبل مبدأ من مبادئ الحياة الإنسانية.

  ما الفائدة أن أقول ما أشاء وكل ما أقوله لا يسوى أن يُقال؟!

ما الفائدة أن أفعل ما أشاء وكل من حولي يلعن فعلي؟!

ما الفائدة أن آكل ما أشاء ومأكلي كله حرام؟!

ما الفائدة أن ألبس ما أشاء ولباسي لا يواري عورتي؟!

ما الفائدة أن أكسب قدر الإمكان والناس من حولي جياع؟!

ما الفائدة أن أنام على ريش النعام وأطفال تنام في العراء؟!

ما الفائدة أن أعيش وعيشتي بلا معنى؟!

ما الفائدة أن أتذوق كل شيء ولم أذق حلاوة الإيمان؟!

ما الفائدة بأن أزعُم الحرية وأنا مسلوب الإرادة والشخصية؟!

ما الفائدة أن أكون حراً وحريتي تدوس على حرية الآخرين؟!

الحرية التي نطالب ونكافح من أجلها هي الحرية الحقيقة، التي بحاجة إلى أناس على قدر من الوعي والعلم في أمور الدين والدنيا، لا يجدون تعارضاً ولا تناقضاً بأن يكون الإنسان حراً ومؤمناً، بل نقول أكثر من ذلك، إنه لا إيمان بدون حرية، فالرسول عليه الصلاة والسلام علّم البشرية الحرية، وعمل جاهداً لنشر الحرية بين الناس، إذ جعل من أهم أولوياته تحرير العبيد وتحريم عبادة العباد والشهوات، والمساواة بين جميع الناس في الحقوق والواجبات، وحثّ على أن يكون المسلم حراً، فالمؤمن القوي الحر أفضل من المؤمن الضعيف المكبوت.

  هل ينهض مجتمع بمؤمنين ضعفاء جبناء؟ كلا، بل نحتاج إلى مؤمنين أحرار ليقودوا الناس إلى التقدم والازدهار، فلا تقدم  ولا إبداع ولا نهضة ولا إيمان... بدون حرية.

  قد يظن البعض أن الدين يقيّد حرية الإنسان مثل الخوف في الوقوع بالحلال والحرام، أتساءل هل عبور السائق بالضوء الأحمر في الإشارة الضوئية حرية؟ أم مخالفة يجب معاقبة مرتكبها أشد عقاب، لأنه هدّد نفسه والآخرين بالقتل. يقول الدكتور يوسف القرضاوي عن القيود التي يفرضها الدين في كتابه الإيمان والحياة: (إن القيود التي يفرضها الدين على الإنسان، لا يريد بها عذابه ولا حرمانه، إنما يريد بها أن يرتفع به من الحيوانية الهابطة إلى الإنسانية الصاعدة، وبذلك ينتصر الجزء السماوي في الإنسان على الجزء الأرضي، ينتصر الروح الشفاف على الجسد الكثيف، ينتصر العقل والإرادة على الشهوة البهيمية أو السبعية. إن هذا الانتصار على النفس – فضلاً عما له من قيمة ذاتية وخلقية – ليمنح النفس لذة أعمق وأبقى من لذة الانطلاق وراء المتع الحسية التي لا يدوم التلذذ بها أكثر من لحظات قصار، ثم ينطفئ أُوارها فإذا هي رماد).  

  إن الحرية الحقيقية هي مطلب أساسي وطبيعي للإنسان لإثبات إنسانيته، فكلما تطورت الحياة وازدادت الاختراعات والاكتشافات وتشابكت المصالح وتعقدت الحياة  يجب أن يتسع وعي الإنسان لمفهوم الحرية، فلا يجوز له التنازل عنها بأي شكل كان، فالشخص الذي يحيا بدون حرية يكون حطام إنسان وليس إنسانا حقاً، فلا خير في مجتمع أفراده حطام إنسان. الحرية تُنتج وتُثمر نفوساً وعقولاً، وتفجر طاقات هائلة وتفتح آفاقاً ما كان لها أن تتفتح بظل الكبت والظلم والاستبداد، لذلك نجد الإسلام مدافعاً عن الحريات، فقد سمح بحرية الاعتقاد، وحرية إبداء الرأي، وحرية العلم والبحث والتفكر، وحرية التملك ونشر المساواة والعدالة الاجتماعية، وأقرّ بحرية وكرامة الإنسان، وحفظها من الإهانة والذل والتدنيس. يقول في هذا الشأن الدكتور سمير عالية : (والإسلام بإقراره لحقوق الإنسان وحرياته الأساسية، منذ القرن السابع الميلادي، يكون له فضل السبق بستة قرون على إعلان الوثيقة الكبرى للحقوق "الماغنا كرتا" الصادر في إنكلترا سنة 1215، وبعشرة قرون على نظرية العقد الاجتماعي التي ظهرت في القرن السادس عشر، وباثني عشر قرناً على إعلانات حقوق الإنسان الفرنسية والأميركية الصادرة في نهاية القرن الثامن عشر، وبأربعة عشر قرناً على الإعلان العالمي لحقوق الإنسان الصادر عن هيئة الأمم المتحدة سنة 1948).

  ومن هنا يتضح أن الحرية الحقيقية هي عون وليست عائقاً لتطبيق الدين وأوامره، فيجب أن يكون الإنسان حراً، وأن يحمل وسام الحرية إلى أبعد الحدود ولا يتخلى عنها أبداً، لأنها ترفع من قيمته وتعزز إيمانه وتساعده على أداء وظيفته في الحياة، وبناء مجتمع صالح يسود فيه النظام والاستقرار. ويكون من البديهي أن تتعطل حركة الحياة عندما تختفي أجواء الحرية الحقيقية، يقول الدكتور محمد سيد أحمد المسير: (فالحرية حق إنساني ومطلب إسلامي لا يُحدّ إلا بحرية الآخرين وحرمة القيم وقداسة الدين وطهارة للسلوك).

  وعلينا محاربة الحرية الباطلة الزائفة وفضح المهللين  لها، لأنها تدل على شخصية مهزومة، وتبعية مذلة، وليس أكثر من التمتع بالشهوات بالسر والعلن، والتخلي عن القيم والمبادئ، والتقليد الأعمى لشعوب غريبة عنا، ولأنها توصلنا إلى دنيا أشبه بالغابة وإلى مجتمع فاسد، لا نظام ولا أخلاق ولا استقرار، فلا يأمن الإنسان فيه على ابنه وبنته. فلذلك ما أحوج الحرية إلى الدين لكي يحميها ويدافع عنها من المنحرفين الذين يشوهون كل شيء جميل بشذوذهم المقرف، فالحرية ككلِّ مبدأٍ طاهرٍ عُرضةً للتلاعب والتحريف والاستغلال على يد أهل الباطل والهوى.

   إطبع                                         أرسل إلى صديق

العودة إلى صفحة العناوين

 

مطلوب

مجلس حورة المحلي

 

 

 

 | أضفنا للمفضلة|    |  اجعلنا صفحة البداية |     | أسئلة وأجوبة |   | أحصل على الصحيفة عبر البريد | 

| مقاييس فنية |    | نماذج ضريبية |  

جميع الحقوق محفوظة لصحيفة أخبار النقب ©1988-2007