|
تفضيل الإنسان له شروط
بقلم: وسام عمري (أبو مجد)
خلق الله كل شيء: الإنسان، والحيوان،والنبات، والسموات والأرض
وما بينهما، ولكنه ميز الإنسان وفضّله تفضيلا. قال الله تعالى: (ولقد كرّمنا
بني آدم وحملناهم في البر والبحر ورزقناهم من الطيبات وفضّلناهم على كثيرٍ ممن
خلقنا تفضيلا ). وقال تعالى: (ألم تروا أنّ الله سخّر لكم ما في السماوات وما
في الأرض وأسبغ عليكم نعمهُ ظاهرةًً وباطنةً).
وكما هو معلوم، فإن الإنسان يعد أحد الموجودات الحية في
العالم ولكنه يمتاز في وعيه وإدراكه وإرادته وأخلاقه التي تظهر في تعامله مع
الآخرين مثل الخير والبر والرحمة والتعاون والمودة والحب والصدق والعدل
والإيمان.... فهذا لا تجده عند باقي المخلوقات. يقول الإمام ابن القيم رحمه
الله: (إعلم أن الله سبحانه وتعالى اختص نوع الإنسان من بين خلقه بأن كرّمه
وفضّله وشرّفه، وخلقه لنفسه وخلق له كل شيء، وخصه من معرفته ومحبته وقُربه
وإكرامه بما لم يُعطه غيره، وسخّر له ما في سماواته وأرضه وما بينهما، حتى
ملائكته – الذين هم أقل قُربة – استخدمهم له، وجعلهم حفظةً له في منامه ويقظته،
وظعنه وإقامته.. وأنزل إليه وعليه كُتبه، وأرسله وأرسل إليه، وخاطبه وكلمه منه
وإليه.. فللإنسان شأن ليس لسائر المخلوقات).
أي أن الإنسان عظيم القدر عند خالقه، فهو خليفته في الأرض،
وهذه أعظم وظيفة تميز بها الإنسان، فعليه تقع مسؤولية عظيمة جداً وهي إعمار
الكون ونشر الفضيلة، وهو قادر على ذلك لو استمسك بالعروة الوثقى، وسار على درب
نبيه محمد صلى الله عليه وسلم، فيكون من المقربين.
ولكن هذا الإنسان عُرضة للضعف أمام الشهوات ومغريات الدنيا،
فإذا ضعف ونسي العهد وتخاذل عن أداء وظيفته فسيخسر التفضيل ويرتد إلى -أسفل
سافلين-، أي أن في الإنسان القدرة على الارتفاع إلى أعلى الدرجات والقدرة على
الهبوط إلى الحضيض. يقول الدكتور يوسف القرضاوي في كتابه "الإيمان والحياة":
(أما الإنسان فغرائزه متعددة متنوعة، معقدة غير سهلة، مركبة غير بسيطة، فمنها
الفردي الذي يدفع إلى الأنانية والأثرة، ومنها الاجتماعي الذي يُغرى بالتعاون
والإيثار، ومنها ما يهبط به إلى حضيض المادة، ومنها ما يسمو به إلى أفق الروح،
وذلك أن الإنسان نفسه مخلوق مُركّب، في كيانه جزءٌ أرضي وجزء سماوي، هو جسد
وروح، شهوة وعقل، وإنسان وحيوان، وملاك وشيطان، ولذا عرّفه بعض الفلاسفة –
نظراً لاتصاله بعالم الروح وعالم المادة – فقال: "الإنسان مُواطن في عالمين").
أي بصورةٍ أبسط، لدى الإنسان المقدرة أن يكون إنساناً كما
أراده الله أن يكون، وبذلك يصبح فعلا أفضل المخلوقات وأكرمها، ولكن في نفس
الوقت قد يفقد هذا الإنسان إنسانيته ويتخلى عن مرتبته العالية في حال رفضه
السبيل الصحيح وسيره وراء شهواته وأنانيته، فيخسر في هذه الحالة تفضيله وتكريمه
ويصبح أحقر المخلوقات وأكثرها ضرراً. لماذا؟
لأن الكلب الذي ينبح في الليل ويزعج الناس لم يتخطّ الحدود
التي من أجلها خُلق لأن النباح ميزة من ميزات الكلاب.
والديك الذي يصيح في الصباح ويزعج النيام، فهو أيضاً لم يتعدّ
الحدود التي من أجلها خُلق لأن هذه ميزة من ميزات الديوك.
من هنا نجد أن الإنسان العاصي والرافض لأوامر ربه، والذي
يدمّر بدل أن يعمّر، ويفسد بدل أن يصلح، يتعدى الحدود ويتخلى عن وظيفته التي من
أجلها خُلق.
لذلك قد يكون في بعض الأحيان (أو في أغلبها لست أدري!) أن
المخلوقات غير الإنسانيّة أفضل من الإنسان، لأنها تقوم بواجبها ووظيفتها في
الحياة، ولكن الإنسان الذي فقد إنسانيته يكون ضاراً وسلبياً وعالةً على
المجتمع، فيصبح شتم "الإنسان" بالحيوان شتيمةً للحيوان ولا العكس!.
بالله عليكم إخواني القراء ألا يكفي؟! ألا يكفينا تخلف
وانحطاط، ألا تكفي الدموع التي سالت من عيون أمهاتنا، دموع قد تملأ وديان الأرض
وتروي حقولها وسهولها!.
في كل حين نسمع ونقرأ عن مقتل شاب في ربيع عمره، إما بسبب
حادث طرق ناجم عن استهتار وجهل بمفهوم الحياة، وإما بسبب شجار ونزاع تافه بين
شباب أضاع الهدف وابتعد عن الدين وتلاشت الأخلاق من حياتهم وتفكيرهم، حتى أصبح
قتل النفس التي حرم الله شيئاً بسيطاً وهيناً... ولأتفه الأسباب.
هذا للأسف واقع شبابنا اليوم، يتنافسون على من أكثر جنوناً في
السياقة؟، أو على من أكثر جرأةً في رفع السلاح وقتل الآخر؟.
نحن بحاجة ماسة لتغير مفاهيم خاطئة قد ترسخت في أذهان شباب
اليوم، وهي نتيجة لتربية فاسدة بكل مقاييسها، لذلك علينا جميعا أن نحاسب أنفسنا
ونبدأ بالعمل الجاد على التغيير.
يقول الدكتور يوسف القرضاوي في ضرورة التغيير والتربية: (إن
إصلاح الجماعات والشعوب لا يجيء جزافاً ولا يتحقق عفواً. إن الأمم لا تنهض من
كبوة، ولا تقوى من ضعف، ولا ترتقي من هبوط، إلا بعد تربية أصيلة حقة، وإن شئت
فقل: بعد تغير نفسي عميق الجذور، يُحوّل الهمود فيها إلى حركة، والغفوة إلى
صحوة، والركود إلى يقظة، والفتور إلى عزيمة، والعقم إلى إنتاج، والموت إلى
حياة).
فعلينا أن نربي الإنسان تربية أصيلة، والأصل أن يعرف الإنسان
وظيفته في الحياة وهدفه، أي أولا أن يتعرف على نفسه قبل أن يتعرف على عالمه
ومجتمعه، لأن معرفة النفس هي الأساس وهي ضرورية لمعرفة العالم من حولنا، ومعرفة
الآخرين الذين كُتب علينا أن نحيا معهم وأن نعمّر الكون على الخير والصلاح.
|