العدد  386            الثلاثاء 7/3/2006          7 صَفر 1427هـ

(في أعقاب نشر خبر سابق عن سباقٍ للهجن في النقب، ننشر هذه الرسالة التي وصلتنا قبل فترة)

الحصان العربي والبدو

بقلم: مروان أبو السعود – الولايات المتحدة الأمريكية

 

  لفت انتباهي لدى مطالعتي لجريدة أخبار النقب خبر عن سباق الهجن. إلا أن أكثر ما شد انتباهي هو الحديث عن تنظيم سباق للخيول العربية الأصيلة. وأتمنى أن تشارك في السباق خيول عربية أصيلة من النقب حيث يطلق عليها البدو اسم "خيول البيت"، وهي غير مسجلة لدى أية منظمة. وأتمنى ألا يركز السباق على الخيول الأصيلة المسجلة فقط والتي تأتي من مصر أو غيرها من البلدان والتي غالباً ما يتم استيرادها من جانب مربي الخيول الإسرائيليين. وسوف أتناول هذه المسألة لاحقاً في هذه الرسالة.

  ويصاحب كل بصيص من الأمل يتراءى لك من خلال قراءة "أخبار النقب" أو "القدس العربي" التي تصدر في المملكة المتحدة، وهما الصحيفتان المفضلتان بالنسبة لي، وللأسف مائة خيبة أمل بسبب الاحتلال، والسرقة المنظمة، أو الاستحواذ على الأراضي الفلسطينية. وقد ذكر كاتب المقال الذي تناول سباق الإبل أن سباق الإبل رياضة عربية وإسلامية قديمة، إلا أنه أردف قائلاً أن بعض اليهود أو الإسرائيليين كانوا يريدون مشاهدة السباق أيضاً. فهل ينظمون السباق لاسترضاء الإسرائيليين؟ أعتقد أن ذلك يرتقي بشأنه أو يضفي عليه الشرعية. بالطبع أنا أتهكم. لماذا يتعين عليك إفساد الخبر الإيجابي (سباق الإبل) بذكر اليهود؟ أنا أعرف أن بعض الفلسطينيين والبدو الذين احتلت إسرائيل أراضيهم عام 1948 يريدون الحصول على الاعتراف بهم في النظام الإسرائيلي ويصبحون مواطنين صالحين في هذه الدولة المصطنعة.

  وإذا لم يرد الفلسطيني أو البدوي مقاومة الاحتلال أو وجود دولة إسرائيل، فإنني أعتقد أنه لا بأس في ذلك. ولكن لماذا تريد أن تكون صديقهم الحميم؟ يمكنني أن أقول أنه لكي أحاول وأكون "سلبياً"، حتى لا تؤثر على هؤلاء الفلسطينيين الذين يجاهرون بمقاومتهم للاحتلال. وبسبب إسرائيل واليهود فإن خيولنا العربية الأصيلة الموجودة في النقب وبئر السبع ذات الأهمية الثقافية البالغة قد أصبحت نادرة أو أوشكت على الانقراض.

  وبسبب الانسحاب من غزة ستزداد معاناة الفلسطيني الذي يعيش في النقب وكذلك المقيمين في القدس الشرقية، مسقط رأسي. وكما تعلم فإنه ثمة مخططات للاستحواذ على المزيد من الأراضي، وسوف تغدو الصحراء رقعةً كبيرة من الخرسانة. ولن يكون هناك مكان للخيول، أو الماشية أو الإبل أو المزارع العربية. ومع ذلك فسوف يحتفظ شارون بمزرعته الضخمة المقامة على أرض النقب. وإنني على يقين بأنه يزعم أن الخراف التي يمتلكها تنحدر من سلالة القبائل الضالة لقطعان إسرائيل/اليهود التي ضلت طريقها في صحراء سيناء. وإنني على يقين من أنهم يقيمون ملاذاً للطيور. ومن الأمور المؤلمة للغاية أن ترى شخصاً بديناً غير لائق بدنياً ولا يمكنه السير بضعة أمتار دون أن يلهث وتنبهر أنفاسه، يستمتع بصحرائنا الجميلة التي كان يجول فيها رجال القبائل، وكذلك الإسرائيليين الآخرين الذين يستمتعون بشواطئنا الخلابة على ضفاف البحر المتوسط.

  إنهم في طريقهم لتكرار ما فعله الرجل الأبيض بهنود أمريكا. حيث قام بالاستيلاء على موارد رزقهم، ودمر أسلوب حياتهم، ووعدهم برغد العيش، ثم نكث بعهده واحتجزهم في مستعمرات (معسكرات اعتقال). بل إنه قام بتنصير البعض منهم. وحتى اليوم، يتمتع الهنود الأمريكيون السكان الأصليون للبلاد بحقوق أقل من أية جماعة من جماعات الأقليات في الولايات المتحدة. وما يزالون منبوذين في أكبر نظام ديمقراطي في العالم. فما الذي يدفعك إلى الاعتقاد بأنك ستكون مختلفاً عنهم؟

  إن ذات الأمر يحدث للبدو. حيث يعزلونهم في بلدات صغيرة، مثل رهط، وغيرها من المناطق المعترف بها. وبعد اغتصاب أراضيهم وتدمير طريقة حياتهم، فإنهم يبثون فيهم الإحساس بأنهم جزء من نظامهم وطريقتهم في الحياة العصرية من خلال إعطائهم بضعة أجهزة تليفزيونية، وأجهزة كمبيوتر وأقمار صناعية. لماذا تريد الالتحاق بمدارسهم (المدارس الإسرائيلية) في الوقت الذي يُعرف فيه عن مدرسيهم وأساتذتهم أنهم يعاملون العرب كمواطنين من الدرجة الثانية، ويهينونهم ويزدرونهم من خلال مزاعمهم بأن الثقافة العربية لم تسهم قط في الحضارة ويحاولون تغيير الحقائق التاريخية؟ إلا أنهم بطبيعة الحال يغفلون أن العرب قد اخترعوا الصفر، وهو أساس جميع الاختراعات الرقمية. وكذلك فقد أرسى العرب أسس الرياضيات، والفيزياء، والكيمياء والطب، وحتى الطيران الذي بدأ بمحاولات من عباس بن فرناس، وهلم جرا.

  وقد سمعتُ بعض البدو يتحدثون اللغة العبرية أفضل من اللغة العربية أو يستخدمون كلمات عبرية في سياق حديثهم باللغة العربية مع بعضهم البعض؛ كما لو كانت اللغة العربية قد عجزت عن توفير الكلمات أو المفردات المناسبة لهم. إن مفردات اللغة العربية تكاد تكون موجودة في جميع اللغات، إلا أنها لم تستورد أية كلمات أو مفردات من اللغات الأخرى، مثلما هو حال الخيول العربية التي حسّنت وأعلت من قيمة جميع السلالات الأخرى، إلا أنه يقضي على نقائه إذا سمح لدماء أخرى بالسريان في عروقه. وكما تعلم، فإن اللغة العبرية لغة قاصرة وضعيفة حيث دأب العلماء والمفكرون والفلاسفة اليهود الساميون (اليهود العرب) على الكتابة باللغة العربية بمحض اختيارهم حتى القرن الخامس عشر لأنها لغة قوية وغنية بالمفردات والكلمات. واللغة الأصلية للإسرائيليين هي لغة "اليديش"، وهي قريبة من اللغة الألمانية أو حسب وصف الألمان لها "اللغة الألمانية الزائفة" أو غير الصحيحة.

  وأنا أعيش في الولايات المتحدة منذ أكثر من 28 عاماً، وعندما أكتب خطاباً لأسرتي التي يجيد أفرادها اللغة الإنجليزية فإنني أحرص على عدم استخدام كلمة إنجليزية واحدة من منطلق احترامي لتراثي ولغتي. وقد سمعت أن بعض البدو قد انضموا للقوات المسلحة الإسرائيلية (الجيش الإسرائيلي). وحتى إذا ظننت أنك مساوٍ لهم، وإن كانت الحقيقة خلاف ذلك. فلن تندمج في الثقافة الإسرائيلية لسبب بسيط وهو أنك ستقوم بدور التابع. ولن تجيد أو يصل مستوى ذكائك إلى حد قبولك في القوات الجوية. ويجب على عائلاتهم أن تثنيهم عن الانضمام إلى الجيش وتنبذهم إذا انضموا إليه لأن ذلك من شأنه أن يقوض السمعة الحسنة التي يتمتع بها البدو.

  ولا يجب على فلسطينيي 1948، أو أي فلسطينيين الالتحاق بالجامعات الإسرائيلية حيث يقومون بتشكيلك ويحاولون تغيير الحقائق التاريخية وأرض كنعان. وما فتئت أسمع عن تلقي الفلسطينيين لمنح دراسية في الجامعات العبرية كما لو كان ذلك أمراً مستحسناً. فالعالم العربي والضفة الغربية تعج بجامعات تفوق الجامعات الإسرائيلية عدداً. ويفوق عدد المتعلمين العرب أو الفلسطينيين نظراءهم من اليهود. ولا يفتقر مجتمعنا إلى مزيد من المتعلمين أو الحاصلين على درجة دكتوراه الفلسفة. بيد أنه يفتقر إلى المؤمنين بثقافتهم وقضيتهم وأرضهم. وإنني أؤكد لك أنه يمكنك جني أموال من تجارة المواشي والزراعة، إذا كنت تجيد هذه الأعمال، تفوق الأموال التي يمكنك جنيها من وراء حصولك على أية شهادة في الهندسة تجعل منك عبداً لإسرائيل في أحد المصانع. وقد قام رعاة البقر في الولايات المتحدة بدمج الطرق القديمة والحديثة في أسلوب حياتهم وجنوا أموالاً ونفوذاً يفوق المواطنين الأمريكيين العاديين. لماذا لا يحذو البدو حذوهم إذا كانوا يستشعرون أنهم مقبولون ومعترف بهم في النظام الإسرائيلي؟

  إنني أتفهم السبب وراء تهافت البدو والعرب الذين احتلت أراضيهم عام 1948 على النظام الإسرائيلي. إن ذلك مرده تجاهل "السلطة الفلسطينية" المزعومة لعرب 1948 كما لو كانوا غير فلسطينيين. والفارق بين الرئيس الفلسطيني ياسر عرفات (رحمه الله) والرئيس الجديد للسلطة الفلسطينية محمود عباس حسب وصف أحد كتاب صحيفة النقب كالفارق بين شخص يمتطي صهوة جواد عربي أصيل وشخص يمتطي القديش أو الهجين في المضمار السياسي.

  فهذا الرئيس الجديد لا يصلح لتولي الرئاسة لأنه شخص فاشل. ففي بادئ الأمر أبدى اعتذاره للكويت لأن الفلسطينيين قد انحازوا للعراق خلال حرب الخليج الأولى، وهو اعتذار لم يكن له مبرر على الإطلاق. ثانياً لأنه ليس له رأي أو أنه لا يمانع في قيام أي دولة بإقامة علاقات مع إسرائيل، مثل تركيا، وألمانيا، وقطر والأردن وغيرها، وهو أمر يتنافى مع العقل والمنطق. فعلاقة تركيا بإسرائيل بالغة الخطورة وغير مقبولة ويجب قطعها، ولا سيما على صعيد التعاون المشترك بينهما في المجال الاقتصادي والعسكري. وتقوم ألمانيا ببيع الغواصات لإسرائيل بسعر زهيد. ما رأي السلطة الفلسطينية في الجدار الذي تبنيه إسرائيل حول البلاد؟ وما رأيها في انتقال شركة إنتل العملاقة في مجال الكمبيوتر إلى إسرائيل، مما يدر أرباحاً تقدر بمليارات الدولارات؟ هل تزمع السلطة الفلسطينية الاحتجاج على ذلك، حيث يتدخل الإسرائيليون في كل ما نقوم به، بما في ذلك الهواء الذي نستنشقه؟ إنه لمن المؤلم أن ترى الفارق في أسلوب الحياة بين الفلسطينيين والإسرائيليين الذين يرفلون في رغد العيش وبذخه بالمقارنة بالفلسطينيين. في الوقت الذي يلقى فيه بالفلسطينيين في غياهب السجون، ويعانون من النفي، والترحيل، والاضطهاد، والتمييز العنصري والموت. ما الذي قام به عباس أو السلطة الفلسطينية لإيقاف مثل هذه الأعمال أو على الأقل الاحتجاج عليها؟ لقد كان عرفات يهفو إلى الرجوع إلى وطنه في إطار سلمي، ولكن عباس يؤمن بسراب لن يتحقق قط اسمه "السلام". هناك فرق كبير! لا ينبغي على المرء أبداً أن يتناسى من يضطهده ويسومه سوء العذاب، سواء حل السلام أو لم يحل.

  عباس يريد إيقاف نشاط جماعات المقاومة التي عجزت إسرائيل عن إيقافها. ومع ذلك فإنه يبدو بلا رأي أو موقف محدد، كل شئ ممكن. وأعتقد أن الشيء الوحيد الذي يعرفه هو أنه يبغي الاحتفاظ بمنصبه كرئيس. رئيس ماذا؟ كان عرفات يطلق عليه "قرضاي الفلسطيني" ولا يغرب عن مسامعك ذكر هؤلاء الرؤساء، والوزراء، والعقداء واللواءات في الأراضي المحتلة. وإنني أعتقد أن هذه الألقاب تروق لهم. وخاصة إذا لم تكن لديهم دولة. ويستحق الشعب الفلسطيني قائداً قوياً يقودهم إلى النصر ولا يتفاوض على العاصمة الفلسطينية القدس وحق العودة بأي ثمن.

  فبيت المقدس (القدس) لا يحق لأية قيادة فلسطينية أو أي شخص آخر أن يتفاوض عليها لأنها تشكل تراثنا وتاريخنا الذي لا يمكن تغييره. وهي ملك لشعبنا وحده. وإنني أنصح أهلنا بالاتحاد وعدم الانخداع بعملية السلام. حيث أنكم تمرون بأوقات خطيرة تهدد كل ثقافتنا، وتراثنا، وميراثنا، وأرضنا وأنفسنا. هناك أمور غير قابلة للتفاوض لمجرد رغبة إسرائيل أو الغرب في ذلك.

  أعزائي وأهلي الفلسطينيين، لا تفقدوا الأمل ولا تيأسوا، فمآل الظالم إلى زوال. فمن المحال بالنسبة إليهم البقاء على المدى الطويل. ومصيرهم سيكون كمصير من سبقهم من الأمم: الإغريق، والرومان، والصليبيين حيث أنهم رحلوا وتحطمت آمالهم وطموحاتهم على "الصخرة" التي أسري بمحمد (ص) منها إلى السماوات العلى على صهوة جواد عربي أصيل مجنح يدعى "البراق" وسوف تنهك قوى الولايات المتحدة وتستنفذ أموالها من جراء عمليات التنقيب والمغامرات التي تقوم بها في الشرق الأوسط. وسوف يأتي وقت يعجزون فيه عن مساعدة إسرائيل. ولن يكون لليهود عندئذ قِبل بقتال العرب. ويمكنهم عندها الرجوع إلى أوروبا والتباكي على المحارق "الهولوكوست" التي لا دخل للعرب والمسلمين فيها.

  وإذا رجعنا إلى الحصان العربي الذي يعيش في النقب، فإن مجموعة من البدو ذوي الدراية بالموضوع يجب أن يتحدوا وأن يتولوا زمام الأمر من خلال تسجيل هذا الحصان العربي الأصيل الذي يطلقون عليهم اسم حصان البيت، مما يعني أنه يتم معاملته ورعايته كفرد من أفراد الأسرة. ويجب عليهم تسجيله من خلال وقف الإسلام في القدس الشريف لأنه منظمة جليلة والتحدث مع أحد الشيوخ وإقناعه بأهمية هذه الثروة الفلسطينية. ولن يكون هذا الأمر صعباً حيث ورد ذكره في القرآن الكريم والأحاديث النبوية الشريفة.

  ولا ينبغي تسجيل هذا الحصان من خلال إسرائيل بأي حال من الأحوال، ويجب أن يحظى هذا الحصان الأصيل بالحماية بصفته ثروة قومية فلسطينية. ويجب تربية بعض هذه الخيول في مناطق مختلفة من فلسطين، على سبيل المثال في نابلس، وبيت لحم، وأريحا وربما بالقرب من حدود غزة. ويكمن السبب وراء ذلك في حماية هذا الحصان بدلاً من حصره في منطقة واحدة. ويجب تسجيل الحصان بغض النظر عن التكلفة على الإطلاق ولا يجب اختلاق الأعذار حيث أنك إذا دأبت على اختلاق الأعذار فسوف يكون من العسير للغاية التفوق في أي شئ. ويجب أن يتصدر هذا الأمر قائمة الأولويات كي لا ينقرض هذا الحصان. وإنني على يقين لا يشوبه شك من أنه سيتعين على المنظمة العالمية للخيول العربية (WAHO) الاعتراف بهذا الحصان مثلما حدث في سوريا في قبيلتي عنزة وشمر مؤخراً. هل بوسعك تخيل صحراء النقب الفلسطينية، مهد الحصان العربي بدون البدو وخيولهم العربية الأصيلة؟ أتمنى ألا يكون مصيرنا مماثلاً لمصير الهنود الحمر أو محاربي الساموراي. وفر الحماية لنفسك ولهذا المخلوق العزيز قبل أن يفوت الأوان.

 

النص الأصلي للرسالة بالإنجليزية

   إطبع                                         أرسل إلى صديق

العودة إلى صفحة العناوين

 

مطلوب

مجلس حورة المحلي

 

 

 

 | أضفنا للمفضلة|    |  اجعلنا صفحة البداية |     | أسئلة وأجوبة |   | أحصل على الصحيفة عبر البريد | 

| مقاييس فنية |    | نماذج ضريبية |  

جميع الحقوق محفوظة لصحيفة أخبار النقب ©1988-2007