العدد  386            الثلاثاء 7/3/2006          7 صَفر 1427هـ

الجدة صفية من صفد

بقلم: نوري العقبي

  بلغت من العمر مائة عامٍ، ربما أقل من ذلك بقليل أو أكثر بقليل، لكنها ما زالت تقصّ على من تُحدّث قصصاً من صلب وصميم حياتها، بصوتٍ قوي صادقٍ ونقي، وواضح كلغة القرآن.

  جذورها في مدينة صفد، وفروعها تنتشر في الكثير من بلدان العالم الواسع. لكنها ما تزال تحتفظ بمفتاح بيتها في مدينة صفد، التي تركتها في عام النكبة مع أسرتها، زوجها وأولادها، الذين كانوا لا يحملون معهم إلا ما يلبسون على جلودهم، هائمين على وجوههم يبحثون عن سبل النجاة والحياة، وعن طريق العودة إلى المدينة التي ما زالوا ينتظرون العودة إليها، إلى البيت الذي تركوا فيه كل شيء، الفراش والأثاث والأرائك المريحة، الرز والعدس وورق الدوالي، الزيت والزيتون والزعتر وعسل النحل، وحتى بيض الدجاج الطازج. في البيت أيضاً بقيت شهادة ميلاد الجدة صفية، وكل الأوراق الثبوتية.

  خرجت حين ذلك الأم صفية هاربةً مع أسرتها من رائحة البارود وعمليات القتل المقصود على يد المجموعات الإرهابية وجند اليهودية.

  كان أملها كبيراً في العودة بعد وقتٍ قصير، لتمارس الحياة الهادئة مع أسرتها، وعملها كمدرّسة للغة الإنجليزية في مدارس صفد. لكن طريق العودة أصبح مسدوداً وما زال كذلك. وقد تشتت طلاب الجدة صفية على كل الكرة الأرضية، وأصبح الكثير منهم أطباء يشفون الناس من الأمراض، والمدرسين والأساتذة الذين يحملون قصة شعبهم وقصة الجدة صفية.

  رحلة بعد رحلة، وعناء ومشقة، وصلت خلالها الجدة صفية إلى دمشق العربية الأبية، ومن ثم إلى عمان الزكية، وفي النهاية استقرت في مدينة رام الله الفلسطينية، وبهذا اقتربت من مسقط رأسها مدينة صفد، وما زالت تحاول حتى ولو رؤية وإشباع عينيها من مدينتها وبيتها الجميل قبل أن توافيها المنية. هذا البيت الذي تعيش فيه وتتمتع بجماله أسرة يهودية أوروبية، وجدت فيه كل شيء، كل ما يحتاج الإنسان.

  أما رائد، حفيد الجدة صفية الممنوعة من أن تطأ قدماها شوارع مدينتها والاقتراب من بيتها، فهو أيضاً كان يتمنى الحصول على شهادة ميلاد جدته صفية ليفرح بتكريمها في يوم ميلادها.

  هذا الحفيد الشاب رائد، إلتقيتُه مؤخراً في إحدى جامعات الولايات المتحدة يدرس الصيدلة، شاب في مقتبل العمر، نموذج وقدوة حسنة لشباب الأمة العظيمة، إبن لشعب الجبارين يقاسي ولا يلين، يناضل ولا يستكين، ضد الاحتلال وجرائم الأشرار والعنصرية البغيضة عدوة البشرية.

  إنه مشحون بالحيوية، وبالقوة والنشاط، سفير لشعبه وقضيته، لا يترك لحظة في حياته إلا وملأها بالعمل والتعلّم.

  وقد روى قصة جدته صفية، وكيف التقى السيدة الموظفة في جامعته، التي أخبرته أنها تنوي زيارة جدتها التي تسكن في مدينة صفد. حينها صاح الحفيد رائد: يا إلهي!. جدتي التي وُلدت في صفد ولها هناك بيت حُرمت حتى من زيارته ورؤيته، وأنا الحفيد المتشرد وما زلت مثل الكثيرين من أبناء شعبي.. كيف هذا؟!

   إطبع                                         أرسل إلى صديق

العودة إلى صفحة العناوين

 

مطلوب

مجلس حورة المحلي

 

 

 

 | أضفنا للمفضلة|    |  اجعلنا صفحة البداية |     | أسئلة وأجوبة |   | أحصل على الصحيفة عبر البريد | 

| مقاييس فنية |    | نماذج ضريبية |  

جميع الحقوق محفوظة لصحيفة أخبار النقب ©1988-2007