العدد  390      الثلاثاء 4/4/2006     6 ربيع أول 1427هـ

الإيمان ضرورة لكل نجاح

بقلم: وسام عمري (أبو مجد)

  كلمة إيمان سهلة اللفظ، كثيرة التداول بين الناس، مستعملة في جميع المجالات وعند كل الأقوام من زمن التاريخ حتى يومنا هذا.

  ولكن إذا بدأنا بالتعمق في تفسير هذه الكلمة وفهم أهميتها بوجدان الإنسان، وعرفنا الظروف التي تنميها وتترعرع فيها، والنتائج التي تتحقق بوجودها، والشقاء الحادث عند غيابها عن الحياة، وجدنا صعوبة الحصول على الإيمان، وسعادة وهناء ونجاح الحاصل عليها في الدنيا والآخرة.

  من الملاحظ أن كل فئة أو جماعة تريد أن تنجح في عمل معين يكون الإيمان ضرورياً لتحقيق النجاح المرجو، مهما كان ذلك العمل: بناء مصنع، إنشاء جمعية، فوز في مباراة كرة القدم، نجاح في امتحان، أو أي شيء من أمور الحياة. فما بالك أخي القارئ عندما نقصد النجاح في الحياة والخروج منها بسلام إلى دار الخلود، ألا نحتاج للإيمان الذي يدلنا إلى السبيل الصحيح والموصل إلى جنات النعيم؟

  تعالوا نناقش بعض المشاكل الاجتماعية التي تحدث معنا يومياً في الحياة. نجد أن السبب الرئيس في هذه المشاكل أننا نعمل أو نجتهد لدنيا نُصيبها، أو لإرضاء فلان من المسئولين، أو التذلل لمن أعلى منا منصب في العمل... والمشكلة تحدث إذا لم نحقق الهدف الذي سعينا له، مثل: منصب جديد، أو جائزة، أو مدح....، حينئذٍ نشعر أن عملنا الذي تعبنا عليه ذهب سدى، فتبدأ المشاحنات والمشاجرات والعداوة حتى تصل إلى كُره وبغضاء وفساد. ولكن تتفق معي أخي القارئ، لو كان هذا العمل نابعاً من إيمان داخلي بوجوب القيام به، ونبتغي فيه رضوان الله، عندئذ لا يهم تحقيق أي هدف دنيوي، أو أي مدح زائف، لأننا على يقين بأن الجزاء عند الله الذي لا يُظلم عنده أحد.

  الإيمان يعطي الإنسان ثقة بالنفس، وقوة إرادة، وعزيمة لا تهتز، مهما واجهته المشاكل، وتجعله إنساناً متفائلا حتى في أشد الظروف وأحلكها، لذلك نرى جميع الأديان السماوية ركزت على الإيمان وكان ركناً ضرورياً من أركانها. فنجد مثلا الإيمان عندما دخل قلوب العرب على يد سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم في بداية الدعوة، تغيرت الأحوال من جهل إلى علم، من ذل إلى عزة، من فرقة إلى وحدة، من هزيمة وانغلاق إلى نصر وفتوحات، من ظلم واستعباد إلى حرية وعدالة... حتى وصل هذا الخير إلى جميع إنحاء المعمورة في فترة قصيرة نسبياً، هكذا كانت نشأة الصحابة الذين أقاموا المجتمع المسلم الأول والحضارة الراقية، وهكذا تكون نشأة كل جماعة ومجتمع يريد النجاح والرقي.

  ومن البديهي والطبيعي أن المجتمع الذي نحن أفراده اليوم، لا ينشأ ولا يثبت وجوده ولا يضع بصمته بين المجتمعات، إلا إذا بلغ درجةً من الإيمان كتلك الدرجة التي بلغها السلف الصالح، ليواجه بهذا الإيمان ضغط هذا العالم المادي، فالإنسان بحاجة إلى قوة إيمان وعقيدة تنجيه من مغريات وعراقيل الحياة التي اختلط بها الباطل حتى أصبح من الصعب انتقاء الحق من بينه.

  يقول الدكتور يوسف القرضاوي في كتابه الإيمان والحياة: (الإيمان بالله هو الذي يمدنا بروح القوة، وقوة الروح، فالمؤمن لا يرجو إلا فضل الله، ولا يخشى إلا عذاب الله، ولا يبالي بشيء في جنب الله. إنه قوي وإن لم يكن في يديه سلاح، غني وإن لم تعج خزائنه بالفضة والذهب، وإن لم يكن وراءه عشيرة وأتباع، راسخ وإن اضطربت سفينة الحياة، وأحاط بها الموج من كل مكان. فهو بإيمانه أقوى من البحر والموج والرياح، وفي الحديث: "لو عرفتم الله حق معرفته لزالت بدعائكم الجبال").

  فالإيمان الذي مصدره القلب، والذي تطمئن له النفس، والذي يدركه العقل هو حافزٌ لتغيير النفس، ودافعٌ للإنسان للعمل بجهد وإخلاص وبهمة عالية، فهذا تحرك ذاتي داخلي لأن هدفه الأسمى -إحتساب الأجر عند الله-.

  وهنا أريد مخاطبة أبناء جيلي من الشباب المؤمن، الذي قد يظن بأن الإيمان بالله هو القيام بالواجبات الدينية فحسب، ولكن هذا المفهوم للإيمان ناقص، لأننا نرى في كثير من الآيات القرآنية مرافقة العمل للإيمان، أي أن الإيمان يجب أن يؤدي إلى عمل (إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات لهم جنات)، وقد ورد نفس هذا التعبير أو ما يشبهه في كثير من الآيات، وما تكراره إلا دليل على وجوب ملازمة العمل الصالح للإيمان. وما أجمل قول علي بن أبي طالب: (الإيمان والعمل أخوان توأمان ورفيقان لا يفترقان، لا يقبل الله أحدهما إلا بصاحبه).

  أي أن الإيمان لا يعني الهروب من الواقع والاعتزال عن العالم، فإيمانٌ لا يُحدث تغييراً ونهضة لسنا بحاجته، والعكس أيضا صحيح. لذلك لكي لا يتحول الإيمان إلى تعصب أعمى واستسلام إلى خرافات وخزعبلات، يجب أن يكون الإيمان نابعاً من علم وفقط من العلم، حينئذ يكون إيماناً صحيحاً وقوياً. لأن الجاهل أو الساذج يكون إيمانه إيمان المقلّد لغيره، وسرعان ما يهتز عند أول امتحان وعند أول عرقلة. يقول الله تعالى: (ومن النّاس من يعبُدُ الله على حَرف فإن أصابهُ خيرٌ اطمأنّ به وإن أصابتهُ فتنةٌ انقلب على وجهه خسر الدُّنيا والآخرة ذلك هو الخُسرانُ المُبينُ).

  وكذلك العلم بحاجة ماسة إلى الإيمان كحاجة الإنسان للغذاء، فالإنسان بدون غذاء يكون إنساناً نحيفاً ضعيفاً كئيباً ولا يستطيع أن يستمر في الحياة... فمصيره الموت لا محال، وهكذا العلم بلا إيمان لا يوصل الإنسان إلى الكمال والسعادة، فالعلم وحده نقمة وشقاء وهدم وتدمير، وهذا ما نراه في هذا العصر من صواريخ نووية وقنابل مدمرة وإلى آخره من أدوات تقتل الإنسان وتدمر الحجر والشجر، فهذا يدل أن العلم بلا إيمان كارثة، فما قيمة العلم الذي لا يوصل البشرية إلى السعادة والأمان؟!.

  خلاصة الأمر وزبدة الحديث أن العلم يجب أن يوصل صاحبه إلى الإيمان، فعلم بلا إيمان "علم لا ينفع"، والتجربة خير برهان، وعندما يجتمع العلم والإيمان يجب أن يدفعا صاحبهما للعمل بإخلاص وجد، فهذا الإيمان الحقيقي الذي يغيّر وجه التاريخ ويضيء العالم، هذا الإيمان أفضل وأرسخ وأقوى عند الخالق والمخلوق.

أي هناك علاقة وثيقة وضرورية وحتمية تربط بين العلم والإيمان والعمل: علم-إيمان-عمل.

   إطبع                                         أرسل إلى صديق

العودة إلى صفحة العناوين

 

مطلوب

مجلس حورة المحلي

 

 

 

 | أضفنا للمفضلة|    |  اجعلنا صفحة البداية |     | أسئلة وأجوبة |   | أحصل على الصحيفة عبر البريد | 

| مقاييس فنية |    | نماذج ضريبية |  

جميع الحقوق محفوظة لصحيفة أخبار النقب ©1988-2007