العدد  435     الثلاثاء 6/3/2007     16 صَفر 1428هـ

ابن القرية

المولود

 

بقلم نوري العقبي

 

  ما زالت الحرب العالمية الثانية في أوجها ولم تنته بعد، والقوّات النازية تقف صامدةً قوية تحارب قوات العالم بأسره تقريباً، وعلى جبهاتٍ عدّة. تضرب وتُضرب، تهزِم وتُهزم.

   واقتربت الحرب من منطقتنا حيث التقى الجنرالان رومل ومونتغومري في صحراء مصر الغربية حيث دخلت مدرعاتهما في معركة شرسة طاحنة انتهت بنصر الانجليزي على الألماني.

  في ذلك الزمان، شهدت تلك القرية الصغيرة تغيّراً وتقدماً ملحوظاً، حيث اشترى واحدٌ من سكان القرية جراراً زراعياً، لونه أحمر غامق. وقد حلت هذه الآلة الجبارة في حينه مكان عشرات البعارين التي كانت تستخدم أيضاً في الزراعة وحراثة الأرض والنقل، وأصبح جميع أهل القرية بخيرٍ يتجولون بين حقولهم الخصبة المزروعة بالقمح والشعير، وواحاتهم الواسعة مرعى مواشيهم. هذه القرية التي كانت بعيدةً عن نار تلك الحرب التي سلبت وأزهقت أرواح عشرات الملايين الكثيرة من أبناء البشر من شعوبٍ عديدة كما دمرت مدناً كبيرة وكثيرة وأزالت حضارات عريقة ومنيرة. لكن قمحهم وشعيرهم ومالهم ساهم ودعم المجهود الحربي لقوات الإنجليز. وقد أرسلت بريطانيا سفنها التي رست في موانئ فلسطين لتنقل الغلة التي فرضها الانتداب البريطاني على المواطنين والمزارعين.

  لكن وبالرغم من أخطار الحرب وأخبارها المرعبة وفقدانهم لمحاصيلهم الزراعية التي شحنها الإنجليز على ظهور سفنه إلى حيث يريدون، كانت فرحة أهل القرية بالمولود الجديد لعائلة من عائلاتها تامة وعظيمة. وقد بدأت نسوة القرية يتوافدن لزيارة الأم بعد أن أنجبت طفلها وقامت بالسلامة، وليباركن لها بمولودها وهنّ يحملن الهدايا من بضائع تلك الزمان كقمرالدين وحلوى الكعكبان، وأيضاً البيض والفراخ وكذلك الأقمشة والملابس للمولود. وهن دائماً يأتين قبل موعد الغداء بهدف المشاركة في تناول الطعام فترة أربعين يوماً. بعدها تنقطع زيارة النساء ليتسنى للمرأة العودة لحياتها الطبيعية وممارسة عملها في البيت وغيره كعادتها, كما تقوم بزيارة الأقربين ومعها رضيعها، وعادةً ما يكون الأقربون هم الأجداد الذين يقيمون لها الولائم ويكرمونها.

  بعد أسبوعٍ من ولادة الصغير عرف أهل القرية اسمه الذي أعلنه أبوه وذلك أثناء مأدبة عشاءٍ كانت من لحم الضأن، دُعي لها جميع الرجال من أهل القرية. وأكل الجميع ودعوا لوليد بالحياة السعيدة المديدة وأن يحمه الله من شرور الناس في الدنيا ويحسن عاقبته.

  ولكن قبل أن يبلغ وليد، العام من عمره، هاجمه مرضٌ كاد أن يقتله. وحيث سمعت الجدة بمرض وليد سارعت لتضع له الدواء من الأعشاب التي تعرفها وتعرف منفعتها وهي أعشاب تنمو في ديرتها. لكن الأم لم تكتفِ بالأدوية التي صنعتها الجدة بل ذهبت تبحث عن الشيخ المسن الذي ذاع صيته في كتابة الحجب، وحين حصلت على الحجاب ثبّتته على ثياب وليد من الأمام، لينجيه الله من المرض. وبإذنه تعالى، زال الخطر عن وليد وأصبحت حاله في أحسنها من دواء الجدة وحجاب الشيخ والعناية القصوى التي كانت الأم تقدمها لابنها على مدار ساعات الليل والنهار.

  ومضت سنين قليلة، كان فيها وليد يشارك أطفال القرية الآخرين اللعب بالرمل.. كانوا يعجنونه بالماء ليصنعوا منه أشكالاً مختلفة من الحيوانات. لكن وليد كان يقضي أكبر وقت في مراقبة جده الذي انطبعت له صورة في مخيلته لن ينساها أبداً.. كان يراه وهو يضع على رأسه الكوفية ناصعة البياض ثم يثبِّت فوقها العِقال الحجازي المقصَّب ذا اللون الأصفر الذهبي، ثم يتقلد سيفه ويركب حصانه ليتجول في أرضه بسهولها ووديانها, يتفقد زرعها وربيعها، ليعود بين العصر والمساء إلى ديوانه الكبير ويعدّ نفسه للصلاة، وهو يصلي دائماً, وكيف لا وهو الذي خرج إلى مكة المكرمة على بعيره وقد دام خروجه ستين يوماً وستين ليلة لينال زيارة الكعبة المشرفة وقبر الرسول العربي محمد صلى الله عليه وسلم، وبذلك أصبح حاجّ بيتِ الله الحرام.

  بعد صلاة المغرب يجلس أمام الموقدة التي تكوي نارُها بكارج القهوة المعدنية، ورائحة جرزة الطيب تفوح ليشمها كل من يجلس في ديوان الحاج. هذا الديوان الذي عادةً ما يكون على موعدٍ مع الضيوف الذين يأتون راكبين على الخيل أو الهجين. ودائماً صينية الفناجين الفضية عليها تحفظ الفناجين المطهرة بالماء تنتظر من يرتشف قهوتها، وكذلك المهباش المصنوع من خشب البلوط في بلاد العرب الشام. وهناك في زاويةٍ من الديوان يقف الزير المصنوع من الفخار الأحمر مملوءاً بالماء النظيف تغطيه قطعةٌ من القش المصنوع لهذا الغرض. وإبريق الماء المصنوع أيضاّ من الفخار لكنه الفخار الأسود.. يجلس بجانب الزير كأنه حفيده. وهناك على الحائط القفّة وهي مصنوعة من القش تحوي بداخلها القهوة ومستلزماتها كالبكارج والمحماص، وبجانب القفة مكان السيف على الحائط.

   إطبع                                         أرسل إلى صديق

العودة إلى صفحة العناوين

 

مطلوب

مجلس حورة المحلي

 

 

 

 | أضفنا للمفضلة|    |  اجعلنا صفحة البداية |     | أسئلة وأجوبة |   | أحصل على الصحيفة عبر البريد | 

| مقاييس فنية |    | نماذج ضريبية |  

جميع الحقوق محفوظة لصحيفة أخبار النقب ©1988-2007