|
ابن القرية (4) قصة بقلم: نوري العقبي
الجد الثري (3)

جلس جدّ وليد وحيداً على فراشه أمام الموقد، وبكرج قهوته تم
للتو طبخه جيداً، ينتظر مجيء الضيوف الذين لم يأتوا في ذلك اليوم.
كان يرتشف الفنجان بعد الآخر من القهوة، يتأمل حاضره وماضيه
وما الذي فعله خلال سنيّ حياته الطويلة، حيث كان له باعٌ طويلة في جلب الخيرات
لنفسه ولأسرته وللناس من حوله أجمعين، حيث كان نجاحه عظيماً وثروته لا بأس بها،
وهي ثمرة تجارته الصادقة وتعامله بالحق، ومثابرته التي كانت كمثابرة النمل
والنحل، وهو الذي استطاع أن يملك من الأرض مساحاتٍ واسعة لا أحد يملكها غيره من
أهل قريته. وحين بلغ من السن سنواتٍ كثيرة اقتربت من المائة، أحسّ بل عرف أنه
قد أصبح كبير السن، وأولاده جميعاً رجال وله كثير من الأحفاد، وقرر أنه لا بد
أن ينقل ما يملكه من الأرض لأولاده وهو ما زال حياً في الدنيا.
في المساء جاءه ابنه أحمد، وهو أصغر الأولاد سناً، واعتاد
دائماً أن يبقى قريباً من أبيه لعله يحتاجه لشيءٍ ما.. وبعد أن ألقى التحية عل
أبيه ورد الأب بمثلها، كلفه أبوه بدعوة اخوته للاجتماع مساء الغد في ديوان
أبيهم. فكانت إجابة ابنه أحمد: سيكون ما تشاء يا أبي. قالها أحمد دون أن يسأل
عن أسباب تلك الدعوة.
وفي اليوم التالي، ومع حلول المساء، كان الأبناء يتوافدون صوب
ديوان والدهم الحاج محمد وهم لا يعلمون سر دعوتهم. وحين وصل الجميع وتبادلوا
التحيات والسلامات، وتذوقوا القهوة كلٌّ من فنجانه، وبعد سكوتٍ عن الكلام لحظةً
بدأ الحاج أحمد يسأل الكثير عن أحفاده، كلٍّ باسمه، ليطمئن على سلامتهم. وحين
جاء وقت العشاء وأكل الجميع من الوجبة الدسمة التي شارك فيها الجد أولاده
جميعهم، شربوا القهوة.. وأثناء احتسائها خاطب الحاج محمد أولاده قائلاً:
"إسمعوا وعوا يا أولادي.. أنتم اليوم رجال، ولكم أولاد رجال،
أما أنا فقد أصبحتُ متقدماً بل طاعناً في السنّ، لذلك أريد أن أدعو لكم دائماً
وكثيراً دعوة أبٍ محبٍّ لأولاده وأحفاده جميعاً بالخيرات والبركات، والخير لمن
أحسن للناس وعاملهم بصدقٍ وإخلاص ومحبةٍ واحترام، وأنتم اخوةٌ من ظهر رجل واحد،
كذلك أنتم اخوة في الإنسانية والدين والحقوق والواجبات، فتحابّوا واجعلوا أمركم
شورى ما بينكم، ولا تجعلوا سبيلاً أو منفذاً للحقد، ولا تدعوا الأنانية تغزو
قلوبكم. واعلموا أن الصدق هو الكفيل للطمأنينة والحياة الكريمة التي يحبها
وينشدها الإنسان.. كلِّ إنسانٍ ذو عقلٍ سليم. وإني أدعوكم للمجيء هنا غداً وبعد
غد وكلَّ يومٍ من أيام الأسبوع لنُتمّ الحديث ويأخذ كل منكم نصيبه من الأرض
الطيبة، التي أحببناها فأحبتنا وأطعمتنا وآوتنا، وهي الأرض التي عشت عليها وعاش
عليها من قبلي آبائي وأجدادي، وبقوا عليها حتى جاء وقت رحيلهم عنها إلى الدار
الآخرة.. ومن يعلم متى سألحق بهم تاركاً هذه الدنيا؟".
سكت الحاج محمد لحظةً قصيرةً وقلّب نظره من اليمين إلى
الشمال، يتفحص ملامح وجوه أولاده، وقد بدا عليها بعض التأثر والحزن والأسى،
وكأنّ أباهم يودّعهم الوداع الأخير.. لكن الحاج محمد الرجل القوي المؤمن رفع
صوته معاتباً بعض الشيء وهو يقول: إن إيماني أقوى من الحديد وأراكم تعيشون في
هذه الدنيا على هذه الأرض من بعدي وأيضاً أحفادي وأحفاد أحفادي إلى يوم الدين،
حتى لو ظهر فرعون وهو من أشد الظالمين وغزا بلادنا هذه فإنه لن يستطيع النيل
منكم وانتزاعكم منها، ما دمتم مؤمنين متراصّين.
وكان جواب أبناء الحاج محمد وبصوتٍ واحد كأنهم في جوقة مديح:
نحن ندعو لك يا أبانا بالصحة والعمر الطويل، ونقول لك اطمئن، إننا سنكون لك خير
خلف، نسير على طريقك حافظين كل وصاياك.. عاملين في دنيانا ما يحبه الله ويرضاه.
كانت تلك لحظةٌ تحركت وجاشت فيها العواطف، وتمنى الرجال لو
أنهم يرجعون أطفالاً، وأبوهم الحاج محمد كبير السن يعود رجلاً قويَّ البأس
والإرادة كما عهدوه.
تابع الحاج محمد حديثه وأبناؤه يستمعون، كان يحدثهم حديثاً
رشيداً ذا معانٍ إنسانية أخلاقية واجتماعية وهديٍ من الضمير. كان حديثَ رجلٍ ذي
تجربةٍ غنية، اكتسبها في حياة الدنيا، وقواعدها هي القواعد المتبعة في ذلك
الزمان الموروث عن الآباء والأجداد، والذي كان كله حق وأخلاق، ليس فيه شوائب
ولا دنس، كما لم يدخل عليه أي غريبٍ لا من قريبٍ ولا من بعيد. الكل منهم إذا
استطاع يعطي ولا يأخذ، يبني ولا يهدم، يزرع ولا يقلع، صادق في أقواله مخلص في
أعماله، مجتمع نقي قوي برجاله ونسائه وشبابه وفتياته.
كانت تلك ليلة تاريخية هامة، اجتمع فيها الحاج محمد بأولاده
جميعهم، والليل قد ذهب أكثر من نصفه، والرجال غلب عليهم التعب، فذهبوا للراحة
والنوم حتى الغد..
يتبع..
|