|
للأبيض
بقلم:
زهرة مسعودين (جامعة بئر السبع)
ما هذه الترهات وكيف أصدقها؟ .. ما الذي حدث؟ .. وهل حقّاً
انتهى كل شيء إلى حيث لا رجعة؟. أحقاً توارت في التراب؟. طوال أسبوعين كانت
تحفها ملائكة الرحمة بثياب بيضاء, اغتسلت بماء الطيب, التحفت كفن البياض,
مضت في التراب.
ها أنا
ذا أسمع ترانيم الصوت ويعاودني آخر حديثٍ دار بيننا.
عندما قلت لي: "كن يا ولدي مع الأبيض حيث كان".
أعلم عمق حبكِ أماه، ورغم غرابة وصيتك أعدك بتحقيقها, تلك
الليلة قلبت حياتي رأساً على عقب, بالأبيض دهنت الشبابيك, أدوات المطبخ, كل
شيء بدا أبيضاً.. جميع مستلزماتي ولباسي.
مرت أمامي عروس في لباسها الملائكي يوم زفافها, سحرني
الأبيض, شدني ورحت أبحث عن عروس تقبل رداء الأبيض, تلبسه إلى الأبد, ملأني
الملل, رحلت زوجتي لفرط ضيقها بعدما نعمت بالهدأة عهداً, وامتلأت عروسي
بالأبي , ضاق بها الليل ورحلت إلى حيث لا رجعة عروسا للتراب.
ليس هذا ما تمنته لي أمي, فأنا لم أرها بالأبيض طول
حياتها إلا إني أذكر الطيبة والرقة وعفة الأنفاس في حضنها, ليت الأبيض رداء
الراحة والطمأنينة.
أصبحت شجرة تورق صفاءً تهف بالحب والعطاء, مضيت في الأبيض
كما شئت, نيتي حليب الشمس لأجل عيونك أمي.
- اتهموني بالجهل, سخروا من طيبتي.
- عانيت من بياض القلب, خدشوا بياض الروح.
فأي بياض تقصدين؟
ماهية الأبيض النابع من أعماق الفكر وإدراك الذات ومحتواي.
ما الذي يجري في هذا العالم حولي, أين الصواب؟.. إلى أي جهة
أميل؟
انشقاق فكري في زمن العربي, اختلاف في الرؤيا والمفاهيم, لا
وعي لما يدور.
أترى البياض الذي أوصتني به أمي هو معرفة الحقيقة أم هو
حقيقة المعرفة لمعنى الوجود ومعناي, ما الذي أسعى إليه في عالمي وكيف
أمضي؟.
تُذهلني وصيتك كل يوم من جديد, ترهقني ولا طاقة لي بعد
لأعرف ما يعني الأبيض وما علي أن أفعل في هذه الحياة فهي صندوق عجب لانتقل
من أعجوبة تلد أخرى, فكر يجهل فكراً, نغمات ترقص بلا معنى للرقصات, صراع,
شجب, إستنكار ولا حياة. تاقت شمعتي لردائها الأخير وها أنا ذا على موعد
معها لنمضي في الأبيض حتى اللهب.
|