العدد  439     الأربعاء 4/4/2007     16 ربيع الأول 1428هـ

على مدخل حارة الحضارة

بقلم: محمود أبو غظيه - رهط

  على مدخل حارة الحضارة جلس عجوزٌ أنهكه العمر، عصاه في يده، واضعاً يده على رأسه، نظر حوله وكأنه غريب في وسط أهله، وكأنّ الأمس القريب أصبح مسلسلاً خيالياً، عُمرٌ بأكمله، تقاليد، شرف، احترام، نخوة، كل هذا أصبح مصطلحاتٍ خاوية تُذكر في هذا المسلسل، نظر حوله وأغمض عينيه التي داهمهما قِصر النظر وأصبحت تخونه حين يصوِّب نظره ليرى القادم.

  يمر من جانبه فتىً في مقتبل العمر.. يحاول أن يناديه.. ولكن الفتى لا يعير له بالاً بل يمضي الى طريقه. ويتساءل ذلك العجوز في حسرة: ماذا جرى لنا؟ لقد كنا مجتمعاً غير هذا.. كنا نحترم الشيبة البيضاء ونهرول لمساعدتها؟.

  وينظر وراء ذلك الشاب وكيف يلبس تلك الملابس التى لم تكن في عهده، ويتمتم بكلمات غير مفهومة ويقول: لا حول ولا قوة إلا بالله.. أنظر الى ملابس هذا الشاب: سرواله لا يكاد يغطي نصف مؤخرته، والعجيب في الأمر أن ملابسه الداخلية تبرز للناظر من فوق سرواله، لا حول ولا قوة إلا بالله، قميصه لا يكاد يغطي بطنه وظهره، لعله شحاذ أو ما شابه، لا، ولكن الشحاذ لا يقص شعره هكذا، غريبةٌ هذه القَصّة: نصف الرأس من الأسفل مقصوص وأعلاه متروك – يتنهد ذلك العجوز الجالس على باب الحارة- ثم يتابع حملقته في رأس ذلك الفتى، أما أعلى رأسه فيذكره بالشوك الذي كانت الإبل تأكله، لا حول ولا قوة إلا بالله.. ماذا حدث للبدو؟ يتساءل ثم يخاطب نفسه: لعلي أجلس على باب حارة يهود أو نصارى، ولكن.... ها هو المسجد قريب مني .... لا إنني على باب الحارة التي انتقلنا إليها بعد أن تركنا بداوتنا ولبسنا لباس الحضر الذي ضاق علينا وأصبحنا ننزعه شيئاً فشيئاً حتى أصبحنا شبه عراة.

  يمسح عينيه بقوة وإذا بجانبه تمر فتاة في مقتبل عمرها واضعة هاتفها الجوال على أذنها وتشير بيدها وكأنّ بها مس من الجن، وتتأرجح وكأنها على حلبة رقص، تلبس بنطلوناً وكأنه من جلدها، وكذلك قميصها المزركش قصير الكم الذي لا يكاد يصل إلى سروالها ليستر ما بدا من خصرها، فصوّب نظرةً إلى الأرض مفكراً يتذكر الفتاة على أيام شبابه مستورةً لابسةً لا تمر من أمام الرجال، عندما يمر الرجال تجلس، ورفع نظرة على ضحكتها فنظرت إليه فارتعد لما رأى من وجهها أكوام الصبغ، أحمر على الخدين أسود في العيون وأزرق على الحدق، لا حول ولا قوة إلا بالله، ماذا حدث لقومي؟.. تساءل، ثم نظر إلى رأسها فإذا بشعرها مفتول كالحبال. تذكر الحبال التي يستعملها للأنعام لربطها، لم يعلم ذلك العجوز أن ذلك شعر صناعي يوصلن به شعورهن.

فعاد إلى تفكيره وقال: رحم الله أيام زمان.. والله لو عاش جدي الآن لانتحر. أفضل له من أن يرى أبناءه يعيشون هكذا!!.

  حينها علا صوت الحق ينادي: الله أكبر.... الله أكبر، فقام يتكىء على عصاه ليلبي نداء الحق وليعود إلى عمق حارة الحضارة..

   إطبع                                         أرسل إلى صديق

العودة إلى صفحة العناوين

 

مطلوب

مجلس حورة المحلي

 

 

 

 | أضفنا للمفضلة|    |  اجعلنا صفحة البداية |     | أسئلة وأجوبة |   | أحصل على الصحيفة عبر البريد | 

| مقاييس فنية |    | نماذج ضريبية |  

جميع الحقوق محفوظة لصحيفة أخبار النقب ©1988-2007