|
يمين بخمسة
بقلم: جمعة القريناوي

إن من دواعي السرور والخير أن يجتمع الناس لحل مشكلةً
معينة سواءً إن عالجتها الشرطة والقضاء أم لا.
هؤلاء هم فئة تفرغوا للبحث عن كيفية إيجاد مخرج لحل مشكلة
ناتجة عن ظلم أو اعتداء على الأنفس أو المال، وهم مشكورون على ذلك.
ولا شك أن أغلب أساليب ووسائل الحل تلك والتوسط بين
المتخاصمين، مأخوذة من عادات وتقاليد سابقة، أغلبها أو منها ما لم يُنزِّل
به سلطان، إذ هي جاهلية وذلك بتغاضي أمر الإسلام وما يأمر به وما نهى عنه،
إما بجهلٍ أو حمية عائلية أو مصالح متبادلة وكل ذلك نهى الله تعالى ورسوله
عن اتخاذ مواقف مثل تلك في جميع الأحوال.
حينما ينكر المتهم التهمة الموجَّهة إليه من قِبل
المحلفين الوجهاء، المشايخ، كبار الربع الذين يُعدون قدوة في الخير والشر
للجيل التالي الذي يرافقهم ويخلفهم بما تعلم وورث منهم ويعمل به، يأتي طلب
المدعي بأن يحلف اليمين بخمسة، أي أن يحلف المتهم خمس مرات بالله العظيم
أنه لم يفعل الجرم أو الاعتداء الموجَّه ضده، ولذلك فإن خمسة من أقربائه
يحلفون بالله كل واحد على حِدة أن المتهم صادق فيما قال، وبذلك قد "زكوا
له"، على الرغم أنهم لم يكونوا متواجدين معه أثناء الوقت الذي اتُّهم فيه
من قِبل المدعي، أي حلف بالغيب، ولا يعلم الغيب إلا الله.
قال تعالى: "عَالِمُ الْغَيْبِ فَلا يُظْهِرُ عَلَى
غَيْبِهِ أَحَدًا* إِلاَّ مَنِ ارْتَضَى مِن رَّسُولٍ فَإِنَّهُ يَسْلُكُ
مِن بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ رَصَدًا" وقال تعالى: "وَلَوْلا
فَضْلُ اللهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ مَا زَكَا مِنكُم مِّنْ أَحَدٍ
أَبَدًا وَلَكِنَّ اللهَ يُزَكِّي مَن يَشَاء وَاللهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ".
تلك الآيات نُزلت لتبرئة أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها بعد أن اتُّهمت
في عرضها، ولم يكتف تعالى بإظهار الحقيقة وإنما توعد الخوض في الحديث
الباطل إذ قال تعالى: "إِذْ تَلَقَّوْنَهُ بِأَلْسِنَتِكُمْ وَتَقُولُونَ
بِأَفْوَاهِكُم مَّا لَيْسَ لَكُم بِهِ عِلْمٌ وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّنًا
وَهُوَ عِندَ اللهِ عَظِيمٌ".
وإذا كان ذلك على الاتهام ونقل الأخبار دون تحقق أو تأكيد
فكيف بالذين يحلفون بالله العظيم خمس مرات متتالية أن ذلك المتهم لصادق وهم
ليس معهم دليل إلا ما نطق به لسانه على الرغم أن كل همه تبرئة نفسه؟ّ!
لقد اشترط الله تعالى الإيمان به تعالى بالكف عن اللغو
ونقل الأخبار الكاذبة والقذف المحصنات الغافلات بالغيب.
الغايب علمه معه والمتهم
قصده يبري نفسه
فرضوا عليه يمين بخمسة
حلفوا خمسه معه
إبنا منا قريبنا ما نخليك
تنفلج ويطلع الحق عليك
اللي تقوله نحلف بالله عليه
انه الصدق والصحيح
ألا يعلم أولئك أن الله تعالى أمر: "وَالَّذِينَ هُمْ
لأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ"، "وَالَّذِينَ هُم
بِشَهَادَاتِهِمْ قَائِمُونَ"؟
لكن إذا وجد من قرأ هذه السطور وصحي ضميره فليعلم قوله
تعالى: "لاَ يُؤَاخِذُكُمُ اللهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِن
يُؤَاخِذُكُم بِمَا عَقَّدتُّمُ الأَيْمَانَ فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ
عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ
كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ فَمَن لَّمْ يَجِدْ فَصِيَامُ
ثَلاَثَةِ أَيَّامٍ ذَلِكَ كَفَّارَةُ أَيْمَانِكُمْ إِذَا حَلَفْتُمْ
وَاحْفَظُواْ أَيْمَانَكُمْ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللهُ لَكُمْ ءايَاتِهِ
لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ".
والويل لمن طُلبت منه تزكية المتهم والحلف بالغيب ورفض
مخافة الله، قد يتم قذفه واتهامه بالجبن والتقصير في حق أفراد العائلة،
كأننا نعيش في مجتمع جاهلي لم يدخله الإسلام، ويُغتاب في غيبته ويهدد
بالتشميس، أي إخراجه من العائلة. أنظر ماذا قال تعالى لنبيه محمد (ص)
والمسلمين حين أهينوا وطردوا من ديارهم وأخذوا منهم أموالهم ولذلك ضُرب
كثير من الصحابة، "فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُوْلُوا الْعَزْمِ مِنَ
الرُّسُلِ". وقال تعالى: "أَحَسِبَ النَّاسُ أَن يُتْرَكُوا أَن يَقُولُوا
ءامَنَّا وَهُمْ لا يُفْتَنُونَ * وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِن
قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ
الْكَاذِبِينَ".
اللهم اجعلنا من الصادقين الذين لا يحلفون بالله زوراً
وبهتاناً شهداء لله بالقسط ولو على أنفسنا أو ذي قربى.
الحياة ابتلاء وصبر، والابتلاء امتحان سواء كان من الأهل أو
بالمال أو بالمرض قال (ص) "اتقوا الشبهات، من وقع في الشبهات فقد وقع في
الحرام"، وقال تعالى لأولئك المسلمين الذين صبروا ولم يقعوا ضحية ضغط أحدا
من خلق الله مهما كانت رتبته ومستواه: "أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تَدْخُلُواْ
الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللهُ الَّذِينَ جَاهَدُواْ مِنكُمْ
وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ".
قال تعالى: "وَمَن يَعْتَصِم بِاللهِ فَقَدْ هُدِيَ إِلَى
صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ".
|