العدد  440     الثلاثاء 10/4/2007     22 ربيع الأول 1428هـ

أمل لم ينقطع بالعودة

ستون عاماً.. وعطيه غطاس ما زال يرى مدينة بئر السبع في أحلامه

تقرير: ثائر فقوسة (مراسل أخبار النقب- قضاء الخليل)

  أراها في الحلم كما لو أني خرجت منها اليوم؛ البيت.. الأزقة.. والحارات.

  بهذه العبارة بدأ المواطن عطيه خليل محمد غطاس (73 عاماً) حديثه عن مسقط رأسه مدينة بئر السبع التي عاش فيها أجمل حياة طفولته، وأُجبر على مغادرتها عام  1948 حيث كان يعيش في منزل مكون من غرفتين  يبعد عن مبنى بلدية بئر السبع نحو 200 م.

 

رجل في عمر الطفولة

  وُلد "أبو خليل" لأسرةٍ متوسطة الحال، تعتمد على التجارة في توفير لقمة العيش، حيث كان يملك والده الحاج خليل بقالةً صغيرة بجوار منزله في وسط مدينة بئر السبع. ومنذ أن كان صبياً تحمَّل عطيه مسؤولية البيت، حيث كان شقيقه الوحيد "محمد" يعيش مع زوجته في منزل آخر. ولأن والده كان عاجزاً، وقعت عليه مهمة الاعتناء به وشراء البضائع لبقالتهم، وإحضار الماء والطعام.

  وتمكن "أبو خليل" من إكمال الصف الأول، وبعد ذلك حُرم من مواصلة تعليمة لضبطه وهو يدخن!!. وبعد أن أصبح في عمر الثانية عشرة قام باستئجار أرض لزراعتها بالحبوب في منطقة "البحيرة" لعدم كفاية البقالة في الإنفاق على الأسرة. ورغم صغر عمر في ذلك الوقت (عام 1946) إلا أن عقد الاستئجار كُتب باسمه. حاول العيش وكأنه رجلٌ كبير، لكنه لم ينس أنه صبي بحاجة للعب، فكان يختلس بعض الوقت ليلعب مع الأصدقاء في أزقة بئر السبع الذين ما زال يتذكر منهم سليمان حمدان ومعلمه إبراهيم حنا.

 

الهروب إلى الإمام

  يتابع "أبو خليل": في عام  1948 كان عمره (14 عاماً)، حيث نهاية عهد الانتداب البريطاني، ويتذكر أنه قبل بضع سنوات من النكبة أخذ اليهود القادمون إلى بئر السبع التجمع في موقعي "بيت إيشل" و"أبو الحمام" حيث أصبحتا مستعمرتين خلال فترة بسيطة. وبعد انسحاب القوات البريطانية من بئر السبع ودخول الجيش الأردني كما يشير أبو خليل، بدأ اليهود بإطلاق  القنابل من  الموقعين باتجاه بلدة بئر السبع، وما كان من المواطنين في ذلك الوقت إلا الالتزام بمنازلهم. واستمر هذا الوضع لمدة شهرين. وبعد قدوم الجيش المصري إلى البلدة تطور الوضع وأصبح هناك قصف مكثف لا سيما في شهر نيسان (4) من العام 1948، حيث وقعت مناوشات بين الجيش المصري وبين اليهود، وتم قصف بئر السبع بالطائرات مع التركيز على مواقع الجيش المصري. وبعد خمسة أيام من هذا الهجوم تمكنت عائلة "أبو خليل" مع بعض العائلات من الخروج إلى منطقة "الملح" دون أن تحمل أي أمتعة إلا القليل، لتوقعهم أن هذا الوضع لن يستمر كثيراً، حيث مكثوا مع عائلة "الكتناني" نحو خمسة أشهر يصفها "أبو خليل" أنها من أصعب الأيام، لعدم وجود الماء والطعام.

 

عندما شعرنا بالموت

  عندما وجدت الأسر التي فرت إلى منطقة "الملح" أنها معرضه للهلاك في أي لحظة لعدم توفر الطعام والماء، ولعدم المقدرة على العودة إلى بيوتهم في بئر السبع بسبب تدميرها واحتلالها من قبل اليهود، قررت العائلات الخروج إلى الأراضي غير المحتلة، حيث فر جزء من عائلة غطاس إلى غزة  وأصرت أسرة أبو خليل الذهاب إلى السموع باعتبارها المنطقة الأقرب إلى بئر السبع، ولم ينقطع الأمل في أي لحظة بالعودة إلى الديار. وهناك حلوا ضيوفاً على عائلة أبو كرش التي قامت بإسكانهم في منازلها. وبعد نحو شهرين أعاد "أبو خليل" والدته وأمه إلى منطقة "الملح" لإثبات حقهم، وانتقل هو ليسكن في بلدة دورا، حيث مكث هناك (8 أشهر)  ثم وصلت إليه أخبار عن مرض والده، فاضطر إلى إعادتهم إلى السموع والسكن معهم حيث توفي والده في 1953.

 

أجمل أيام حياته

  بعد وفاة والده بعام قرر أبو خليل الزواج والاستقرار بالسموع، استئجار منزل وبقالة وتزوج من مدينة الخليل ورزق (5 أولاد و3 بنات)، لكن اليهود لم يتركوه ليهنأ في عيشه، ففي عام  1966 قامت الطائرات بقصف بقالته وتدميرها بالكامل. وبعد عام 1967 واحتلال باقي الضفة الغربية ساء الوضع الاقتصادي لأسرته، فاضطر للعمل في البناء في بئر السبع من عام 1971 ولغاية 1982. وكانت هذه السنوات أجمل أيام حياته، رغم صعوبة العيش، وذلك لأنه كان يشعر بالطمأنينة عندما يصل بئر السبع، وفي فترة الاستراحة كان يترك الورشة ويذهب ليتفقد بيته المهدوم الذي بقيت حجارته شاهداً على أن هذا البيت والأرض لعائلة غطاس.

 

عندما يموت الأمل

  إستمر أبو خليل في استئجار بيت في السموع لمدة 18 عاماً، أملاً منه بأنه لن يعيش طويلا في بلدة السموع. وبعد أن بدأ الأمل يتوارى بالتراب، قرر شراء قطعة أرض والبناء عليها، وقام بتزويج أولاده بفتيات من نفس عائلة غطاس أو من فتيات من عائلات من بئر السبع لأنه لا يريد أن ينسى أحفاده أنهم من تلك البلدة التي تبعد عنهم مسافةً قصيرة، ولا يستطيعون العودة إليها.

  ويتمنى أبو خليل العودة ولو ليومٍ واحد، فهو على استعداد أن يضحي بكل ممتلكاته وتعبه في بلدة السموع على مدار 60 عاماً مقابل العودة إلى الغرفتين اللتين كان يعيش فيهما في بئر السبع، واللتين لم يُقم مكانهما حتى الآن أيُّ بِناء.

   إطبع                                         أرسل إلى صديق

العودة إلى صفحة العناوين

 

مطلوب

مجلس حورة المحلي

 

 

 

 | أضفنا للمفضلة|    |  اجعلنا صفحة البداية |     | أسئلة وأجوبة |   | أحصل على الصحيفة عبر البريد | 

| مقاييس فنية |    | نماذج ضريبية |  

جميع الحقوق محفوظة لصحيفة أخبار النقب ©1988-2007