|
ابن القرية (6)
الجد الثري (5)
بقلم: نوري العقبي

ذهب الحاج محمد ليأوي إلى فراشه بعد يومٍ طويل من التجوال في
أرضه يرافقه أولاده جميعاً، حيث كان ذلك بهدف جعل أرضه حصصاً حصصاً، كذلك
استقباله للضيوف في ذلك المساء والجلوس إليهم يشربون القهوة بعد العشاء
ويتجاذبون أطراف الحديث حتى انتصاف الليل، حين أخذ النعاس منه مأخذاً وغلبه
التعب. كان تعبه شديداً بحيث لم يترك له متسعاً من الوقت للتفكير والتخطيط في
طريقة توزيع أرضه على أولاده، كيف؟ وإلى مَن مِن أولاده ستُعطى قطعة الأرض هذه
أو تلك؟.
لم تكن ليلة الحاج محمد تلك هادئةً، كما أنها في منامه لم
تكن سعيدة، إذ أنه لم ينم نوماً مريحاً بسبب الأحلام المرعبة والمخيفة التي
كانت تشدّه من فراشه ليقف واثباً على رجليه يلعن الشيطان ويستغفر الرحمن. كان
يشاهد في أحلامه أمواجاً من عساكر الإنجليز يُطلون على قريته الصغيرة، يمتطون
الخيل وبجانبها خيولٌ كثيرة تجر العربات والمدافع التي تصب نارها على بيوت
قريته، فتهدم بعضها وتقتل من فيها من الناس بدون تمييز..!! كان كابوساً من
الأحلام هزّ بدن وأعماق الحاج محمد، فلا يغفو للحظةٍ إلا وأيقظته الأحلام من
نومه مذعوراً؛ وقد شاهد في أحد أحلامه العساكر يصوبون فوهات مدافعهم نحو بيته
الواقع على تلة جميلة تشرف على سهول أرضه بوديانها وشعابها، وذلك من موقعٍ كان
يرابط فيه جند السلطان عبد الحميد وهم الذين تقهقروا أمام جحافل الإنجليز في
هذه البلاد المقدسة كما تركوا جميع أوطان العرب ليستعمرها الإنجليز.
وكان الحاج محمد يصرخ في وجوه الإنجليز الذين يتأهبون لإطلاق
نيرانهم وهو يقول: لا تفعلوا لا تفعلوا، ولكن هيهات.. فهم لا يسمعون ولا يفهمون
لغة هذا العربي الذي لا يملك شيئاً لصدّ عدوانهم على بيته، الذي انهالت قذائفهم
عليه واخترقت بعضها جدرانه السميكة جداً، وسال الدم غزيراً من أجساد نسائه
وأولاده. وحتى ضيوفه لم يسلموا من العدوان. ورأى الحاج محمد طوفاناً من الجنود
الإنجليز يتبعهم قوم غرباء، لا يرحمون ولا يشفعون لأحد، كذلك يفعلون الفحشاء
ولا يخجلون.. كما يحرقون البيوت وينهبون الممتلكات ويخربون المزروعات.
أفاق من نومه وهو يلعن الشياطين ويدعو الله أن يُحدث خيراً
وأن يُبعد عن ديرته الشر الذي شاهده في أحلامه.
كان الفجرُ قد أشع بنوره من الشرق، فذهب إلى ديوانه ليطمئن
على ضيوفه فوجدهم يصلون فصلى معهم جماعة، ثم بعد الصلاة استأذنوا وامتطوا
خيولهم ليتابعوا رحلتهم، وهذه عادةٌ لدى العربي الذي يرحل بعد أن ينال طلبه وهو
شيء من الراحة والتزود بالطعام له ولمطيته، وبعد أن يربط العلاقة الاجتماعية
الحسنة بأهل الديرة التي يمر بها من حينٍ لآخر.
بعد أن ودّع الحاج محمد ضيوفه واستكان للراحة قليلاً، جاء
الصباح وقد جال في خاطره كيفية وطريقة توزيع أرضه لأولاده. فرأى أن خير وسيلة
بهذا الخصوص هي إجراء القرعة ما بين أولاده. وهو يعلم تمام العلم أنها قطع
متساوية من حيث المساحة والجودة. لكنه، فجأة، تذكر أحلامه في هذه الليلة فعبس
وجهه بعض الشيء ولم يستطع التخلص من الصورة القاتمة التي رسمت في مخيلته. ولما
حضر جميع الرجال، أولاد الحاج محمد، واكتمل عددهم في الديون، كانوا جالسين
يحتسون القهوة لكنهم لاحظوا أن والدهم لم يكن كعادته واثقاً قويّ البأس
مطمئناً، وكأنّ هناك شيء ما يطارده ويخيفه. فتجرأ ابنه الكبير وسأله: ما بك يا
والدي؟ أراك منزعجاً لأمر ما؟. ردّ الحاج محمد موجِّهاً كلامه إلى كل أولاده
وقال: لقد كانت ليلتي هذه عسيرة، فيها رعبٌ وأحلام مخيفة، وإني أخشى كثيراً من
تفسيرها لأني رأيتُ قوماً يتربصون بديرتنا وأهلها، وإني أحس بأن هؤلاء القوم
سيغزون ديرتنا وسيقتلون ويقتلعون الباقين في أملاكهم، ونحن لا نستطيع صدهم ووقف
جرائمهم.. من يدري..؟ نرجو أن تكون أضغاث أحلام، ونحن دائماً نطلب الحماية من
الله بالحق والعدل والحرية.
كان الشعور بالتشاؤم يخيم على جميع الحضور لسماع تفسيرات
الحاج محمد حول ما قد يحدث لديرتهم ولهم أيضاً. لكن الحاج محمد قطع هذا الشعور
التشاؤمي بقوله: دعونا نشرب قهوتنا ثم نخرج في رحلة قصيرة لزيارة أرضنا وحقولنا
وآبارنا، ثم نزور مقبرة آبائنا للترحم عليهم وعلى جميع أموات المؤمنين.
أعدّ الرجال خيولهم للركوب، وكذلك أعدّ الابن أحمد حصان أبيه،
وخرج الجميع لجولةٍ طويلة في الأرض وقد ارتفعت الشمس في سمائها بعض الشيء. كان
الجوّ لطيفاً، والحياة على الأرض في أوجها وكمالها، مواشي أهل القرية بأنواعها
من الأغنام والأبقار والطرش من الإبل ترعى هنا وهناك لتجمع قوتها اليومي،
ورعاتها يجتمعون تارةً للحديث والتسلية وأخرى يفترقون لتفقُّد مواشيهم، والطيور
في السماء تطير بحرية ثم تهبط وهي تغرد كأنها في غاية الفرح. ومن بين أرجل
الخيل يقفز أرنب ليهرب بروحه خوفاً وفزعاً، وكأن قوماً غزاةً يلاحقونه في مربضه
ليقتلوه. تجول الحاج محمد برجاله في أرضه، وكان يقف هنيهةً أمام كل قطعة منها،
يدير بصره حول حدودها، ثم يتقدم على حصانه والرجال يتقدمون من خلفه وعلى
جانبيه، وفي نهاية النهار وصلوا إلى مقبرة الشيخ صالح، وهناك وقف طويلاً وقرأ
الفاتحة وترحم على آبائه والمؤمنين جميعاً
يتبع |