العدد  442     الثلاثاء 1/5/2007     14 ربيع الثاني 1428 هـ

ابن القرية (8)

قصة متسلسلة/ بقلم نوري العقبي

  كان حزن وليد على جدّه محمد شديداً، وهو الذي لم يعرف إنساناً في حياته قد أخذه الموت من قبل، حيث كان الموت يخيفه كثيراً وهو الذي لا يريد الموت لنفسه أو لأحدٍ غيره من الناس، ولا حتى للمخلوقات الأخرى التي تدبّ على الأرض.

  كان وليد يكتم ألمه وحزنه في قلبه حين يشاهد الرجال والنساء من أهل القرية وقد بان على وجوههم الحزن والأسى كلما ذُكر اسم فقيدهم الحاج محمد. وكان يراقب الشمس تشرق ثم تغيب.. أيامٌ تمضي وأخرى تأتي، أيامٌ كثيرة وأسابيع وأشهر تنتهي، لكن حزن وليد على جده ما زال عميقاً، وهو الذي يبكيه كلما اختلى لنفسه وكلما تذكر صورته، وارتسمت في مخيلته حركاتُه.

  ذات يوم، خرج، وليد الصبي الصغير، ماشياً لوحده في الطريق التي كان جده يسير عليها راكباً حصانه يتنقل كما جده من تلة لأخرى، يقف ليتأمل جمال تلك الطبيعة بسهولها وتلالها وقطعان الماشية ترعى فيها، والطيور تسعى لكسب طعامها، وبيوت القرية الصغيرة منتشرة على الأرض الطيبة، وأهلها في حقولهم يعملون جادّين يقطعون ويجمعون عرانيس الذرة البيضاء ذات النفع العظيم.

 جاء العصر، وقد تلاشت أشعة الشمس في الأفق البعيد وهبت نسماتٌ من الريح الباردة آتية من صوب البحر نقية تشفي العليل. وحين اعتلى وليد تلةً تطل على بيت جده قال:

نجم هوى من السماء العالي

وانطفأ نوره الساطع عن بلادي

وأصبح الليل من بعده حالك الظلام

نجم هذا الذي كان نوره ضاوي على الخلاني

هل يطلع نجم مكانه ليضوي على العرباني

أهل قريتك يريدوك، عاشوا معك على أحسن حال

أصبحت الدنيا يا نجم بدونك لا تساوي بالي

ولو عدت لنا يا نجم لفديناك بالروح وكل غالي

لكن هيهات فالموت حق على رقاب العبادِ

  وحين اقتربت الشمس من الغروب، قبل حلول المساء بقليل، عاد الصبي لقريته، وبينما كان يسير في طريقه إلى بيته سمع حصان جده يصهل صهلات حزينة باكية متقطعة، وكأنه يبحث عن الفارس الذي ترجل عنه وفقدته قريته وهو لم يعد يركب حصانه كما أنه لن يعود إلى هذه الدنيا أبداً. دخل وليد البيت وهو الذي لم يعتد الخروج لساعات طويلة، وكانت أمه تنتظره، خائفةً على ابنها الصغير الذي غاب عن أنظارها لساعات طويلة من النهار وهي لا تعلم له مكاناً. وحين سألته سؤالاً بكل حنان وهي تخشى عليه: أين كنت هذا الوقت كله يا بني فقد قلقت عليك كثيراً؟ أجابها بكلماته الواثقة القوية وقال:

  أماه لا تقلقي، لقد ذهبتُ أبحث عن خيال جدي وأرى بعينيّ ما رأته عيناه، وأمشي على الأرض على طريقه، أينما دبت قدماه، فإني أحبها بقدر ما أحبه. دُهشت الأم كثيراً لكلام ابنها الصغير وكذلك من فعله طيلة النهار، وقالت وكأنها تخاطب نفسها: يا صغيري هل وصلت بك الغيرة وحبك للأرض إلى هذا الحد؟ والله إني لأراك تتصرف كما الرجال، بوركت يا وليد وأكثر الله من أمثالك، وإني بك فخورة. ثم قدمت له الطعام الذي يحب، وبعد ذلك أخذت تقص عليه بعض القصص التي سمعتها وتعرفها من قبل مثل قصة الذئب والخروف وكيف أن الذئب قرر أكل الخروف مهما كانت الأسباب والظروف وهي قصة القوي والضعيف، ثم انتقلت لتحكي له قصة النبي موسى عليه السلام مع قومه حينما صعد إلى أعلى قمة جبل في سيناء ليناجي ربه لكنه حينما عاد إليهم وجدهم قد صنعوا عجلاً من ذهب ليعبدوه من دون الله هؤلاء الكفرة الفاسقين، وأن قصة العجل من الذهب هذه تتكرر اليوم بعد آلاف السنين ولكن القوم قد تغيرت وهم الذين يبذرون أموال العامة من عرب ومسلمين ويضعون الذهب في حنفيات المراحيض ولكنهم ليسوا بالصانعين!!. إستمع وليد لقصص أمه بكل شوق وانتباه عظيم لتلك القصص الهادفة التي حدثته بها، كما فسرها لنفسه أحسن تفسير، واستمد منها وتعلم شيئاً من الحنكة والعبر، ثم ذهب لينام بعد أن شكر أمه وودعها بأجمل التحيات، وهي التي كان طعامها ألذ ما كان يأكل وقصصها رائعة تنطبع في ذهنه بكل معانيها وهو لن ينساها ما دام حياً.

  دخل وليد فراشه لينام ولكنه لم يستطع إغماض عينيه اللتين بقيتا تحدقان في اللاشيء في الظلام الدامس، وجفونه لم يدخلها النعاس لما كان يدور في ذهنه حول جده الذي مات ومكانته في القرية والديرة، وحصانه الذي بقي بدون فارس، والأرض المهددة من قبل قومٍ آتين من كل أنحاء المعمورة إلى بلاده، آتين لا محالة وأيضاً في حماية ظالمة بدون صدق ولا عدالة. بقي وليد في فراشه على حاله ولم يغش عينيه النوم إلا بعد أن سمع صيحات الديك حينها غلب عليه النوم ونسي حاله إلا في أحلامه.

يتبع...

   إطبع                                         أرسل إلى صديق

العودة إلى صفحة العناوين

 

مطلوب

مجلس حورة المحلي

 

 

 

 | أضفنا للمفضلة|    |  اجعلنا صفحة البداية |     | أسئلة وأجوبة |   | أحصل على الصحيفة عبر البريد | 

| مقاييس فنية |    | نماذج ضريبية |  

جميع الحقوق محفوظة لصحيفة أخبار النقب ©1988-2007