العدد  443     الثلاثاء 8/5/2007     21 ربيع الثاني 1428 هـ

صراخ في ليل طويل

قصة/ يسري الغول

  صراخ يتهاوى في مساحات قديمة من الزمن، يتناثر كغبار عبق الريح بموته، والمارة بين جبال الخوف يتيهون في نعاسهم، كأنهم لا يسمعون شيئاً، كأن على رؤوسهم الطير، وأنا الوحيد الذي يتملكني الرعب، يتشبث بي، يلتصق حتى يصبح جزءاً مني، أرتعش ورذاذ خريفي يتساقط مع كل صرخة تدوي في أفق المكان.

صرخة أخرى وكل شيء يبدو أمامي مدقع السواد، جفناي ترتجفان، كل سكنة تهوي بي إلى قيعان سحيقة. أركض خائفاً إلى منزلي الذي اشتريته حديثاً، أحاول الاختفاء خلف صهوة الريح، الابتعاد عن صخب القادم من الشرق، و قبل أن أدلف داخل تلك الجدران المهتكة الأطراف، ترتفع حدة الصوت أكثر فأكثر. أقرر العودة مرة أخرى إلى بداية الزقاق علني أتعثر بشبح مثلي يدلني على مصدر ذلك الصوت، وقبل أن أصل تلك الردهات المتهالكة يصدمني أحد الفارين من وحشة المكان، تدل تقاطيع جسده على مدى الرعب الذي يتملكه، أنادي عليه، أصرخ مع صرخات باتت جزءاً من المحيط، أستوقفه، لكنه لا يبالي بي، يستمر في طريقه، يحث الخطى إلى المجهول، أجري وبسرعة لم أعرفها من قبل أتعلق بثناياه، أرجوه أن يتوقف، أسأله والخوف ما يزال يركبنا:

-  أخبرني بالله عليك...

تصطك أسنانه، ترتعد فرائصه، يسأل وفي جوفه لهفة للفراق:

- ماذا تريد؟ أسرع أرجوك.

أنظر يميناً وشمالاً، ينظر باتجاه الحدود الأربعة، وعندما أدرك بأن لا وجود للريح بيننا، أخرِج من بين شفتي سؤالاً عاجلاً، طارئاً:

-   أخبرني بالله عليك، ما هذا الصراخ الذي يعوي كل لحظة..؟

تتساقط دموع الرجل، يهتف خائفاً:

-   إنه.. إنه صوت إحدى نساء القرية.

-  وأي امرأة هذه؟؟!

يقف واجماً، لا يتحرك، وفجأة تخرج الكلمات من فمه بسرعة مرعبة:

-   إنه الموت، الموت الذي سيأتي...

-   ...................

-   الموت الذي سيقتلع أحدنا اليوم من جذوره إلى هاوية سحيقة ....

-   لا أفهم ما تقول...

لا يدع مجالاً لي لأتم معه النقاش، يبادر في وجل:

-   إنها الأسطورة...

أتوقف، "هل سأعود مرة أخرى إلى أساطير الجنون؟! إلى حكايا الجدة العجوز؟!" أسأله مرة أخرى:

-   أي أسطورة تقصد؟!

يهم بالهرب من أمامي، لكنني و بشجاعة لم يعتادها جسدي أحكم قبضتي عليه، فيقول:

-   تقول تلك الأسطورة أن مصدر ذلك الصوت لفتاة ماتت منذ زمن بعيد، كانت تسكن في هذا المنزل، وقد ماتت عندما سقطت إحدى القذائف عليها في أحد الحروب.....

أنظر إلى بيتي، كأنه يقصده، بل هو يقصده فعلاً، يداه تشيران إلى ذلك الباب الذي فتحته قبل يومين فقط وولجت كواليسه.....

    -  كانت قد أصيبت داخل هذا المكان الموحش، لكنّ أحداً لم يجرؤ على إنقاذها، بقيت على تلك الحال لمدة طويلة حتى تحللت الجثة بالداخل، وحلت الروح بكل زاوية من جنباته، وبعد أشهر طويلة دخل بعض اللصوص من قريتنا إلى ذلك القبر وسرقوا قلادتها الذهبية، ثم فروا دون أن يبحث عنهم أحد منا....

أحدق بوجهه الأصفر، المترهل، وأنا عاجز عن الوقوف، كأنني سأسقط أرضاً، أشعر بالغثيان، الخوف، وكأن ملابسي المهترئة ابتلت من أسفل.. أتساءل وفي داخلي آلاف الأسئلة "كيف لي أن أغادر تلك البقعة السوداء؟" ،"كيف سأعيد أشيائي من الداخل؟!" ....

-   لقد حلت لعنة تلك المرأة على القرية جميعها،....

-    ...................................

-   تقول الأسطورة إن ذلك الصوت هو إيماءة منها بميلاد موت جديد، و...

أسرح في شجوني، يمر شريط من الذكريات أمامي سريعاً، كأنني يوماً رأيت فيما يرى النائم شيئاً من تلك الأسطورة، كأنني فصل من فصول تلك الحكاية، كنت معلقاً بين السماء والأرض، في صدري تلك القلادة القديمة. أطرق فكري، "لربما هي قلادة تلك المرأة؟! " أتأملها، "كيف تعلقت برقبتي؟" أشعر بالخوف من ذلك العلو الذي يجعلني معلقاً بين السماء والأرض، "كأنني من أهل الأعراف؟! " وقبل أن أمتلئ بتلك اللوحة، الرؤية، يزاولني غبار كثيف كالذي أمامي الآن، يسرقني، يلقي بي إلى هاوية الأرض، ينزع القلادة وأنا انتفض عن الفراش.

-   إن كنت صاحب هذا المكان، فلا أنصحك بالعودة إليه.

-   ..................................

-  لأن روحها ما تزال هنا، تسمعنا، تتلصص علينا كلص ينتظر الانقضاض على فريسته النائمة.

-  ..................................

يفر الرجل هارباً، يولي كالريح العذراء ...

أمامي مجموعة من الصور الآن، أمامي تلك الأساطير التي بللت ثيابي، "أستكون نهايتي أسطورة؟ ربما، ربما سأصبح جزءاً منها ... "

  قلبي يضرب بعنف الآن، لا أفكر بالعودة إلى تلك الثكنة المرعبة، أعود مرة أخرى إلى بداية الزقاق، أهرب نحو المجهول، أجثو على ركبتي، أزحف، ألطم الريح بوجهي، أتعثر بالحجارة التي ملأت الشارع، أنزع ثيابي كالأبله، أجري مرة أخرى، وقبل أن أصل سوق القرية تواجهني إحدى العربات المتهالكة، تقترب مني وأنا عاجز عن الحراك، كأن جسدي تجمد، أحاول التملص منها، لكنني عاجز عن ذلك، تقترب السيارة بسرعة كبيرة والسائق يلحظني للوهلة الأولى أمامه فيصرخ:

-                                توقف !!!!!!!!!!

   إطبع                                         أرسل إلى صديق

العودة إلى صفحة العناوين

 

مطلوب

مجلس حورة المحلي

 

 

 

 | أضفنا للمفضلة|    |  اجعلنا صفحة البداية |     | أسئلة وأجوبة |   | أحصل على الصحيفة عبر البريد | 

| مقاييس فنية |    | نماذج ضريبية |  

جميع الحقوق محفوظة لصحيفة أخبار النقب ©1988-2007