|
عندما تبكي الأم بصمت..
بقلم: محمد يونس
على مدخل كسيفة الشرقي، وجدتُها على قارعة الطريق الترابية،
جالسةً وبجانبها جراؤها الثلاثة، الذين قتلتهم على ما يبدو إحدى المركبات
السائرة في الطريق.



كانت ترفعُ رأسها وتخفضه، بصمتٍ أبلغُ من الكلام.. أو قُل
بصمتٍ أبلغُ من النباح الذي عوَّدتنا عليه الكلاب. بل ربما لم يكن ذلك صمتاً،
بل صوتٌ خفيفٌ كأنه نسمات الهواء، تصدر من أعماق هذه الأم الثاكل، تنظر إلى
جِرائها الذين فقدتهم مرةً واحدة، تدير رأسها بين الحين والآخر ذات اليوم وذات
الشمال.
دخلتُ إلى كسيفة ورجعتُ من نفس الطريق، فوجدتُها على حالها لم
تتزحزح.. كما هي.. بكاؤها هو نفس البكاء، وجلستُها هي نفس الجلسة، وحزنها هو
نفس الحزن.. بل لعل هذا الحزن يتضاعف كلما تيقّنت أن جراءها لن تفيق إلى
الأبد..
تقرأ في عيني هذه الأم حزناً عميقاً، تشاطرها حزنها، لكنك لا
تفعل شيئاً. تنظر إليها وتبقى عاجزاً، تماماً كعجزها هي أن تقوم من مقامها
فتدفن أبناءها الثلاثة، كالغراب الذي وارى أخاه في التراب.
في لحظاتٍ ينقلبُ عالَم الأم رأساً على عقب، تتوقف عن إرضاع
صغارها، ويصبح من المُحال أن تلعب معهم أو يلعبوا معها، أن يلتفوا حول ذيلها
وأن يقفزوا من حولها، أو أن تلحس رؤوسهم بحبٍّ وحنان.
لم يُلهمنا الله فهمَ لغة الحيوان، لكننا نسمح لأنفسنا أن
نترجم ما رأيناه إلى عالم البشر، لنقول إنّ الأم هي الأم.. سواءً كانت إنسانةً
أو كلبةً أو طيراً.. لأن الله عز وجل عندما أنزل الرحمة إلى الأرض لم يستثنِ
منها أحداً.
|