|
ابن القرية (10)..
قصة متسلسلة / بقلم: نوري العقبي
جاء صباحُ يوم الخميس، حينما خرج وليد برفقة أمه وبعض سكان
قريته، قاصدين زيارة قبر الحاج محمد الذي ضمته مقبرة الشيخ صالح، وقد كانت من
عادات أهل القرية زيارة قبور ذويهم في مثل هذا اليوم من أيام الأسبوع، كما
كانوا أيضاً يقيمون الولائم رحمةً وترحماً وذكرى لأمواتهم. كان القوم كلٌّ يركب
دابته التي في سرعتها ونشاطها تسابق الريح، وهي من الجمال والخيل والحمير،
وكلها تسير على الطريق الترابية في قافلةٍ تتقدمها الخيول ثم الجِمال وفي
أعقابها الحمير, وكان وليد يركب خلف أمه حماراً أبيضاً جميلاً قوياً وسريع
الحركة، متمرناً على الحركات والمشي.
وكانت الشمس عند طلوعها ترسل أشعتها الدافئة لكنها غير
ساخنة، وقطرات الندى تبلل الطريق لتجعل ترابها ثقيلاً قليل الغبار، خلال رحلتهم
التي دامت أقل من ساعتين، حتى بلغوا مقبرة الشيخ صالح حيث كان له مقامٌ ومزار
قد شُيّد في العصور الغابرة، وحوله بضع مئات من قبور المسلمين، كثيرها منبسط
غير مرتفع، والقليل شُيد وكان آخرها قبر الحاج محمد الذي كان يحمل "نصيبةً" من
حجر الرخام السميك، في أعلاه كتبت كلمة الفاتحة رحمةً عليه وعلى أجداده السبعة
المدونة أسماؤهم من بعده، وسنين عمره.
كان وليد يتشوق كثيراً لزيارة قبر جده الحاج محمد وقراءة سورة
الفاتحة التي علمته أمه قراءتها ليقرأها على روح جده الطاهرة وأرواح المسلمين
أجمعين وحين المناسبات. ترجَّل الجميع عن ظهور البهائم خارج أرض المقبرة، وبعد
أن اعتنى كلٌّ منهم بشدّ وثاق بهيمته أو مطيته، دخل الجماعة معاً أرض المقبرة
وهم يلقون السلام قائلين: السلام عليكم يا عباد الله الصالحين، أنتم السابقون
ونحن اللاحقون. ثم اصطفت الجماعة أمام قبر الحاج محمد وجوههم صوب الشمال قبالة
"النصيبة"، وكان قد سبق وليد ليقف أمام نصيبة قبر جده، والرجال من خلفه، ثم
النساء. وبعد أن قرأ الجميع الفاتحة تجول الناس ما بين القبور، وبقي وليد وأمه
يتأملان قبر الحاج محمد حتى جاء رجلٌ يسعى من قريب، ليدعو زائري القبور لضيافته
وتناول طعام الغداء في بيته والراحة حتى بعد العصر.
وكانت الحفاوة بهم كبيرةٌ وعظيمة، وأحس الجميع بأن مضيفهم
يُكنّ لهم كل حب واحترام وتقدير، وسعادته بمجيئهم منقطعة النظير. وقد شارك وليد
الرجال مأدبة الغداء، كما أصغى بكل حواسه لأحاديثهم المفيدة المتنوعة الكثيرة،
حتى أنه سمع أحدهم يحدِّث الجماعة قصة حلم جده الحاج محمد حين رحيل العثمانيين
عن الديرة، الذين طردهم الإنجليز واحتلوا بلاد العرب من المشرق إلى المغرب
وكانوا لها مستعمراً مجرماً ينهب خيراتها ويدس الدسائس ما بين أهلها وشعوبها،
ويأتي بقومٍ غرباء ظالمين لا يرحمون ولا يشفعون لأحد، يحرقون البيوت ويخربون
المزروعات وينهبون الممتلكات.
كان وليد يستمع باهتمام لحديث الرجل حول قصة الحلم الذي أرعبه
فحواه، وأحزنه بسبب خوفه على قريته وأهله والديرة، خاصةً وأن بعض الرجال أكد في
الديوان بأن قصة حلم الحاج محمد قد بدأت بوادرها وكأنها ستصبح بتفصيلاتها
كاملةً وحقيقةً واقعةً لا محالة. وبعد تناول طعام الغداء وشرب الكثير من القهوة
والإصغاء لبعض القصص وتبادل الرجال الحديث خلال ساعات طويلة، كان لهذه القصص
والأحاديث تأثيرٌ في نفوس وأذهان الجميع، لكن وليد الصغير كان أكثر المتأثرين
لها. همّ القوم بالعودة لقريتهم وقد ودعوا مضيفهم وشكروه على حسن التضييف،
وركبوا البهائم وقد مالت الشمس إلى الغروب، وأشعتها قد انكسرت خلف ظهورهم،
ونسيم من الهواء الطلق اللطيف الآتي من الناحية الغربية الشمالية يدفعهم نحو
قريتهم ويخفف عليهم رحلتهم.
وكان وليد يطل برأسه الصغير وهو راكبٌ خلف أمه على حماره
الأبيض الجميل، ليرى أرجل الجمال والخيل وهي تضرب تراب الطريق بقوةٍ وسرعة،
والغبار يتطاير من تحتها، ثم ينظر إلى الخلف ويشاهد شيئاً من الغبار يرتفع من
خلفه، كما كان يتأمل الحقول الممتدة على جانب الطريق في السهول الواسعة، فيها
بيوتٌ منتشرة هنا وهناك، يعيش فيها الناس على اختلافهم، الغني بجانب الفقير،
يترقبون كلَّ حدثٍ وجديد.
بعد أيام قليلة، ينتهي العام الأول لوفاة الحاج محمد، وقد
انتظر أحد شباب القرية الذي أعد له أهله العدة للزواج من فتاةٍ أحبها واختارها
قلبه، لكن الكلام حول الموضوع توقف والفرح تأجل حتى تنتهي السنة لوفاة الحاج
محمد، كنوعٍ من الاحترام، وتمشياً مع العادات في حينه. الناس يحبون بعضهم
كثيراً وهم قليلون، والموت كان نادراً.
يتبع
|