|
ابن القرية (11)
قصة متسلسلة
/ بقلم نوري العقبي

لم يكن وليد، حتى زيارة قبر جدّه الحاج محمد الذي دُفن في
مقبرة الشيخ صالح، قد أيقن في قرارة نفسه بأن حياة جده انتهت في هذه الدنيا،
وأنه انتهى واختتم جميع أعماله وأكل كل زاده وشرب ماءه وقضى.
كما أن وليد لم يعد يرى جده منذ وفاته ودفنه في التراب، إلا
في مخيلته. لذا حينما عاد في المساء مع قافلة الزائرين ورأى الشمس تختفي في
الأفق البعيد وتغيب، قارن ما بين النهار والليل، وبين الحياة والموت، وبانت له
الفروق بينهما.
عندها أخذ يتساءل، ليفهم الكون وسنّة الحياة ومجاريها، وآمن
أن الحياة حقٌّ، وأن الموت أيضاً محتوم وحق لا مفر منه.
مرّ العام الأول وانتهى منذ أن توفي الحاج محمد، وبدأت القرية
تستعد للمشاركة في الاحتفال مع أسرة الشاب سعيد الذي سيتزوج ذهيبة ابنة القرية
قريباً. هذا الشيء الذي أدخل البهجة والفرح والسرور إلى قلوب جميع أهل القرية،
وهم المحبين لأبنائها الذين وُلدوا وترعرعوا فيها، وهم الذين سيزيدونها عدداً
وعزوةً وستكبر القرية بهم. فبمجرد عقد زواج سعيد وذهيبة، سيكوِّنون أسرةً أخرى
جديدة في القرية. هذا الفرح العظيم يجري وسط سباق الخيل والنوق وغناء النسوة
وزغاريدهن وأهازيج الرجال وسمرهم، الذي يجيء ليشارك فيه شبابٌ ورجال من كل حدب
وصوب، من أبناء الديرة الكبيرة. وكان هؤلاء الرجال كثيراً ما يعالجون من خلال
أهازيجهم مشاكل المجتمع وقضاياه في الساعة والمستقبل. وكان عبد النبي أحد رجال
الديرة، الذي يعيش بعيداً عن ديرته بسبب عمل يقوم به في سبيل كسب عيش أفراد
أسرته، لكنه حينما سمع خبر فرح القرية وعرسها، قام برحلته الطويلة والشاقة
ليشارك أهل القرية فرحهم وسرورهم في زواج سعيد وذهيبة. وبينما كان في طريقه
وقعت أحداثٌ عصيبة، وأصبحت طريقه خطيرة جداً ومسدودة، فاختار له طريقاً بديلةً،
وهكذا استطاع أن يصل مساءً إلى القرية المنشودة، ويشارك أهلها فرحهم وسمرهم في
يومه الخامس، وقد وقف في رأس طابور المحتفلين وعمامته في يده يلوح بها ويقول:
جاءوا الأقوام من الغرب ليغزوا البلادي
يطلبون العيش في المدن والبوادي
يلبسون الطرابيش لكنهم بالعقل والكوافي
منهم البلشفيق يا خوفي على بلادي
يسدون الطريق كما يقطعون الرقابي
لكن منهم القديم كان جار وصديق قراري
ناكل الخبز معاً ونشرب من بئر ماء كجيراني
قوم لا نعرف البوق نحن، فهل نأتمنهم على نسائي
لم يتوقف الغناء والزغاريد ودق الطبول، وأيضاً سباق الخيل
والنوق وأقاويل الرجال من الأهازيج في ميدان يجمع الحضور والخلان، وذلك حتى
اليوم السابع منذ كان إعلان البدء بالفرح وساعات السرور، هذا اليوم الذي كان
فيه لم الشمل ولقاء العروسين سعيد وذهيبة، المحبين السعيدين، في تلك الليلة
التي ضوء البدر فيها يشع ليكون الليل كالنهار.
تمت الأفراح والليالي الحلوة الملاح، وكانت خاتمتها مأدبة
غداء من لحم ضأن وقعود، كفت أهل القرية والحضور وبعض نساء الديرة ورجالها،
وكذلك عابر السبيل القادم من المدينة.
بقي العروسان ضيوفاً مكرمين، يكرمهم الأهل والأصدقاء والمحبون
لفترة أسبوعٍ كامل، يدللونهم بأحسن الطعام والشراب الذي يأتون به إلى عش
الزوجين، بيتهم الجديد في قريتهم الصغيرة الوادعة، حيث كوّن سعيد وذهيبة معاً
أسرةً جديدةً في القرية.
وخلال عام كامل، استمر أهل القرية ينعتون العريس والعروس تحت
اسم العريس سعيد أو العروس ذهيبة. كان هذا هو حال ذلك الزمان، مجتمعٌ متحاب
ومتراصّ، يتعاون بعضه مع بعض على الخير وفعله، يكنّون لبعضهم كل احترامٍ
ومودّة.
غاب الحاج محمد عن القرية وكل الديرة، وكان الكل قد أيقن وآمن
أن غيابه ليس رحلة طويلة في سبيل التجارة والربح، وإنما غياب أبدي.. انتقال
الروح إلى باريها. حتى الصغير وليد اقتنع أن غياب جده دائمٌ وأبدي، وما بقي سوى
أن يتذكر الماضي ليتعلّم منه النافع. ورأى وليد أهل قريته وهم في أشد الحزن
حينما توفي جده، كما رآهم وهم في غاية الفرح والسرور عند زواج سعيد وذهيبة،
وتذكر أحد الأمثال من التي كان جده يرويها، وهو قوله: "لكلِّ زمانٍ دولةٌ
ورجال". ومن يدري يا ترى؟! أي رجالٍ وأي دولة ستحكمنا؟ وهل سيكون الحكم بالعدل
بين الناس هو الأساس وميزان الحق؟ أم ماذا؟!
يتبع
|