العدد  446     الثلاثاء 29/5/2007     12 جمادى الأولى 1428 هـ

أحد معاصري النكبة لـ"أخبار النقب": "كنا نظن أن عودتنا لقضاء السبع قريبة وعلى يد الجيوش العربية!"

غزة/ من رائد أبو ستة

  يردِّد الحاج محمد محمود العجرمي (80 عاماً)، الأبيات التي وردت على لسان الملك "التبَّع حسان" في الحكاية الشعبية التي شراها والده له قبل نحو 65 عاماً من أحد الأسواق القريبة من مضارب قبيلتهم في قضاء بئر السبع، لسمّاره اليوم وأحفاده وكل من يساجل ذاكرته المتقدة رغم سنيّ العمر الطويلة. ولكن شتان بين القراءة الأولى والحفظ الأول في ديارٍ رحبة متسعة على مدى الأفق، وبين ترديد الأبيات ذاتها داخل جدران الإسمنت الخانقة وأزقة مخيم اللجوء الضيقة.

  المدرسة وألعاب الطفولة، وليالي السمر وذكرى حفل زفافه، والنزوح الذي تلته هجرة ممتدة... وغيرها، شريطٌ من الذكريات الجميلة والمؤلمة استعرَضَه لـ" أخبار النقب" التي التقته في منزله بمخيم جباليا للاجئين الفلسطينيين.

  يقول الحاج العجرمي: "أرضنا كانت بالقرب من منطقة جمامة ابن عطية في قضاء بئر السبع، من الشرق يحدّها -الطريق العام الممتد من مدينة السبع في الجنوب وحتى يافا في الشمال، ومن الغرب أراضي عائلة أبو راشد والحاج حرب، والخربة، وكان يعيش بها عددٌ من الفلاحين الفلسطينيين، ومن الشمال أراضي عائلة أبو جابر ومن الجنوب وادي الشريعة".

  ينتمي الحاج العجرمي لصف قبيلة الجبارات التي كانت تقطن شمال قضاء بئر السبع، حيث ولد وعاش طفولته وتزوج وأنجب أول أولاده. يوضِّح: "كنا نعيش في بيت شَعر كسائر البدو في المنطقة، ولدينا أيضا "بايكة من الطين" لحفظ وتخزين القش وجرار السمن وغيرها من المواد، ومخزن حبوب يسمى "جهير" (الجهير حفرة في الأرض لها باب صغير مرتفع عن الأرض قليلاً وتُستخدم لتخزين حبوب القمح والشعير).

  ويشير العجرمي لطبيعة حياة السكان ونشاطهم الاقتصادي وقت ذاك قائلاً: "كنا نزرع القمح والشعير، ونربي الأغنام والأبقار والإبل"، ويضيف: "أذكر وأنا في سن الـ14 أسرح بأبقارنا ونظرائي من أبناء العشيرة، في تلك الربوع الخضراء من أراضينا في السبع".

 

عظيم مراح...

  ويلفت إلى لهو الصغار وقت المساء بعد عودتهم من العمل في الرعي ومساعدة الأهل في الزراعة: "في المساء نجتمع ما يزيد عن 15 طفلاً من الصبيان خاصة، ونباشر في اللعب، ومن أشهر الألعاب في تلك الأيام: لعبة (عظيم مراح وين لقى وين راح)، حيث نتجمع ويقذف أحدنا بعظمة في الفضاء، ثم ننطلق نبحث عنها، ومن يجدها أولاً تسجل له نقطة. وهكذا....".

  حظّ ضيفنا من التعليم في المدرسة نزرٌ يسير، فهو لم يمضِ في المدرسة سوى عامين فقط، يبين قائلا: "أرسلني والدي لمدرسة أبو جابر (الجبارات) وكانت تبعد عن بيتنا حوالي 4 كيلومترات، وكانت عبارة عن سور من الحجر حول باحة وسطها مبنى من الحجر أيضاً مكون من غرفة واحدة كبيرة يجتمع تحت سقفها أربعة فصول دراسية، من الأول حتى الرابع الابتدائي"، ويشرح: "يتوزع الطلبة وكلهم من الذكور في أربعة صفوف بحسب المرحلة الدراسية، أمام المدرِّس الوحيد، الذي يتنقل بين كل مجموعةٍ شارحاً درساً ومبيِّناً فكرة وملقِّناً نشيداً أو آية أو حديثاً نبوياً"، ويزيد: "أذكر في الصف الأول علَّنما شيخٌ اسمه.." ويبدو أن الذاكرة خانت ضيفنا، يصمت محاولاً تذكر اسم معلمه الأول لكن دون جدوى. يُكمل: "الشيخ المعلم كان يأتي من قرية المسمية، علمني في الصف الأول، ثم ترك المدرسة وجاء بعده الشيخ عبد الفتاح البطران من قرية الفالوجه وعلمني في الصف الثاني".

  من المفارقات التي واجهت الطفل البدوي في عامه الدراسي الأول، تعرُّفه على اسمه الثلاثي كاملاً، فلم يكن يعرف قبل المدرسة أنه يُدعى محمد محمود العجرمي، فقد كان يعرف اسمه الأول فقط. يضحك شيخُ اليوم طفل الأمس، ويقول: "كنت فقط أعرف أن اسمي محمداً، الأستاذ هو أول من أخبرني باسمي الكامل وطلب مني أن أردده أمامه"، ويلفت هنا إلى أن الأستاذ الشيخ كان يقيم في المدرسة من أول الأسبوع، وفي نهايته يعود إلى بلدته.

  بعد أن أنهى الصف الثاني الابتدائي، كان والده يأتي له من السوق بعددٍ من القصص والكتب، منها السيرة الهلالية وقصة الملك التبع حسان، وغيرها، ويطلب منه أن يقرأها له ولضيوفه. فيحاول الفتى الصغير بما أوتي من حول وما أسعفه من علمِ عامين دراسيين فقط، وبصعوبة، ومرةً تلو الأخرى من التكرار، سرد القصص والحكايات لوالده وصحبه، حين لم يكن لا إذاعة ولا تلفاز يروِّح عن القوم.

  أنشد يقول مما حفظه عن ظهر قلب ولم تتمكن منه آلة النسيان رغم مرور ما يزيد عن 65 عاماً على قراءته الأولى، على لسان الملك التبع حسان: "ظلمني الدهر من دون الناس يا ابن ربيعة يا مخدوع، أنت أمير شديد الباس تسألني من قتل أباك، فكل بناية ولها أساس، لما جئت لأرض الشام أتاني كل الناس أتاني كل اكبار وقيس وكل امير يبدي باس، إلا أبوك فقد خالف ولم يفعل كباقي الناس، فزاد الغيظ بوسط القلب، وأمرت بشنقه للحراس، وهذا أمر الله مكتوب في جبينه بأعلى الراس، رهقتني الجليلة بالحيلة، وغابت عني كل الناس".

  يتسم البدوي بالخجل والحشمة، وهو ما منع ضيفنا من مصارحة والده بالرغبة في الزواج. "كان من العيب أن يطلب الشاب من والده الزواج بشكل صريح، فسلطة الأب واحترام الابن له يحولان دون ذلك، وهنا يتم اللجوء للأم أو الجد أو غيرهما من الأهل". ويبين الحاج العجرمي أن أحد أبناء عمه، وكان يكبره سناً بقليلٍ من السنوات، عندما كان عمره قرابة 16 عاماً، أخبره في الزواج من إحدى أخواته، وأن يزوجه أخته، فيما كان يعرف بـ"زيجة البدل" فأبدى موافقته وتمت الخطبة، وظل ضيفنا خاطباً مدة ثلاثة أعوام، لم ير فيها خطيبته إطلاقاً، سوى كما يقول: "زوالة" أي من بُعد.. طيف خيال! وهنا يشير إلى أن قيمة مهر العروس المقدم منه في حينه كان 90 ليرة فلسطينية، والمؤخر ليرة أو أكثر بقليل، أي أن الناس لم يكونوا يبالغون بالمؤخر ولا ينظرون له باعتباره حائلاً بين الرجل ورغبته في الانفصال، أو كما يقول: "المال لا يمنع الرجال".

  عن ليالي عرسه قال: "بلغت سن الـ19، وحان وقت زفافي على العروس، كانت أيام جميلة، فقبل أسبوع من الزواج، بدأت الاحتفالات بإقامة حفلات "الدحية" في كل مساء، يصطفون واقفين في طابور يهزج بالدحية "والبدع" -وهو نوع من الشعر الشعبي-  مثل: "جر المنسف بين اثنين مخاخ العبسة فوقية"، وترقص أمامهم بالسيف امرأة من أهل العريس يقال لها في الدحية "الحاشية" -وهي امراة ترتدي ثوبها البدوي وتغطي رأسها ووجها وتواجه صف الرجال المتشابكي الأيدي شاهرةً السيف قبالتهم-.

  ويوضح الحاج العجرمي إنه في صباح يوم العرس، يُحضر العريس وأهله " الطار"، وهو الجمل الذي يوضع فوقه الهودج والذي سوف ينقل العروس إلى منزل الزوجية، حيث يزين بعناية فائقة. ويوصِل الطار العروس إلى ما تسمى بـ"البرزة"، وهي عبارة عن غرفة من الخيش، يبقى فيها العروسان مدة ثلاثة أيام قبل أن يعودا إلى منزل ذوي العريس، في غرفة خاصة بهما في بيت الشعر المقسم لعدة غرف بحسب حجمه من 3 إلى أربعة أو ما فوق هذا، والكلام بحسب رواية ضيفنا دائماً. ويلفت إلى أن الاحتفالات في العرس البدوي تمتد إلى اليوم التالي، حيث يعد أهل العريس وليمة غداء كبيرة، تنحر فيها عشرات الذبائح، ويُدعى لها الأهل والأصدقاء.

  أيام وليال جميلة، أبت أطماع الصهيونية إلا أن تعكر صفوها، فقد بدأت أخبار جرائم عصابات الصهاينة ضد أهالي قرى الشمال تتوارد تبعاً لمناطق الجنوب، ويوضح العجرمي: "أخبار جرائم اليهود ضد أهل القرى بدأت تصلنا، وأخذ الخوف يسري في قلوب الأهالي البسطاء، خاصةً بعد أن كثرت اعتداءات المستوطنين المتواجدين في مستوطنة قريبة منا في منطقة هوج تدعى "دوروت"، ويضيف: "أذكر أنهم قتلوا عدة جمال ملك عمي إبراهيم يوسف مصطفى العجرمي التي كانت ترعى بالقرب من الطريق الرابط بين هوج والجمامه. مما دفعنا إلى الرحيل إلى منطقة أبعد قليلا عن هذا الطريق إلى منطقة تعرف بالزيادين". ويلفت العجرمي إلى تدهور الأمور أكثر بعد أن اقترب العدوان الصهيوني من أراضيهم بعدما دخلت العصابات الصهيونية أراضي قرية برير وأراضي قبيلة السواركة إلى الشمال من أرضهم، مما دفع الأهالي البسطاء وتحت وطأة الخوف من الجرائم الصهيونية التي كانت أخبارها تسبق قواتهم إلى القرى والبلدات الفلسطينية، إلى النزوح مرة أخرى إلى جبل يسمى (سيسرخ) شرق أرض أبو جابر، والتي تشهد بعد ذلك معركة تصدى فيها رجال المقاومة الفلسطينية للقوات الغازية. يبين العجرمي "بينما الأهالي لجأوا إلى الجبل القريب، تصدى المقاومون المتمركزون في منطقة أبو جابر التي دارت فيها معركة عنيفة بين المقاومة والقوات المعادية"، ويكمل: "ونظراً لفارق الإمكانات من حيث العدد والعتاد، تمكنت القوات الصهيونية من السيطرة نهاية الأمر على المنطقة بعد أن سقط عدد من المقاومين، وأذكر منهم المرحوم الشهيد حسن مصطفى العجرمي".

  ويوضح العجرمي إلى اضطرار الأهالي في العام 1949م للهجرة إلى أماكن أكثر أمناً، حيث تشتت جمع القوم بين من ذهبوا إلى الشرق باتجاه الضفة الغربية لنهر الأردن، ومن توجهوا إلى الغرب وهو من ضمنهم، إلى المجدل فهربيا ليحط بهم المقام في منطقة جباليا شمال شرق قطاع غزة، حيث أقيم مخيم جباليا للاجئين المخيم الذي يُعد الآن من أكثر المناطق كثافة سكانية في العالم.

  لم يرَ منازل أهله وعشيرته منذ ذلك الوقت، حتى أواخر السبعينيات من القرن الماضي، حين كان في سيارة أحد مشغليه من الإسرائيليين، ومروا بالقرب منها، حين تعلق بصره بالنخلة الصغيرة، الأثر الوحيد الذي بقي من أطلال ديارهم، وليعود بعد ذلك وحده ويقلب ناظريه بالمكان العزيز مستدعياً شريط ذكرياته حول النخلة التي أضحت كبيرة وتشعبت منها فسائل صغيرة من حولها.

  ويلفت هنا الحاج محمد العجرمي إلى قناعة أوائل المهاجرين بأن عودتهم قريبة، مدة لا تزيد عن عشرة أيام أو شهر أو ستة في أسوأ الظروف!، مبيِّناً أن بعض المهاجرين رهنوا أراضٍ لهم لدى والده مقابل مبلغ من المال، مؤكداً أن والده كان على أمل كبير في أن يزرع تلك الأرض ويجني ثمرها لحين موعد سداد الرهن من قبل أصحابها: "الناس كانت على أمل كبير بقرب العودة، وأن الجيوش العربية قادمة عما قريب للتحرير"، قالها بحسرة ممزوجة بسخرية. لكن وبالرغم من مرارة سنوات الهجرة، ورغماً عن طول المهجر إلى أنه لا يزال على يقين بحق العودة يوماً ما، إن لم يكن له فلمن بعده من الأبناء والأحفاد.

   إطبع                                         أرسل إلى صديق

العودة إلى صفحة العناوين

 

مطلوب

مجلس حورة المحلي

 

 

 

 | أضفنا للمفضلة|    |  اجعلنا صفحة البداية |     | أسئلة وأجوبة |   | أحصل على الصحيفة عبر البريد | 

| مقاييس فنية |    | نماذج ضريبية |  

جميع الحقوق محفوظة لصحيفة أخبار النقب ©1988-2007