|
ابن القرية (13).. قصة متسلسلة
بقلم: نوري العقبي

إندحر العثمانيون من كل بلاد العرب، بعد أن هزمتهم جحافل
الغرب أشدَّ هزيمة، وقد أُجبروا على ترك المدن والقرى والبوادي للذين جاءوا
غازين الشرق العربي كي يسلبوه خيرات الأرض باطنةً وظاهرةً، ويقسموها وأهلها،
ويجزئوا شعوبها قبائل ودويلات صغيرة متناحرة فقيرة يحكمها سلاطين، يظلون على
كراسيهم حتى موتهم، يأتمرون بأمر الأسياد الغرباء من الغرب، وينفذون خططهم
وسياساتهم، تلك التي رُسمت وتنفذ لقرون مستقبلية طويلة الأمد.
وحتى لا تسقط خطط الغرب هذه وتفشل، وضع رجاله ومفكروه خطةً
أخرى بديلة تضمن لهم دائماً موضع قدم في مكانٍ وزمانٍ، في جميع أنحاء الوطن
العربي الكبير من المحيط إلى الخليج. وفي سبيل ذلك كان لا بد من قطع وعدٍ لزمرة
متربصة لديها رغبةٌ جامحةٌ لا حدود لها، تنوي اغتصاب البيت والأرض من أصحابها
في المدن والقرى والبوادي، هذه الزمرة التي سخّرت العقيدة والدين وأبناء أقوام
كثيرة ومختلفة، بالإضافة لكل الغرب،
ليقتلوا ويشرّدوا الناس من بيوتهم وأراضيهم، وليجعلوا هذه البيوت لهم مساكن،
والأرض حقولهم وبساتينهم، والأرائك مقاعدهم حتى أثاث البيت بالكامل. أما مقابر
المسلمين في طول الأرض وعرضها، فأصبحت متنزهات وفنادق، بعد أن نُبشت وبُعثرت
عظام الأموات فيها، حتى قبر الشيخ المسلم الجليل الذي مات قبل ألف عامٍ ونيّف
وصلى عليه أهله وأصحابه من المسلمين صلاة الجنازة ودفنوه في قبره ثم جعلوه
مقاماً صالحاً إجلالاً واحتراماً ليزوروه، أصبح بقدرة قادر لقومٍ غرباء تابعاً
ونبياً في دينهم ومعتمداً لعقيدتهم ثم مزاراً.
مرت الأيام والأسابيع ثم الأشهر على عجل، وانتهت سنةٌ كاملة
منذ دخل وليد المدرسة وكبر وقطع شوطاً لا بأس به في الجِدّ والتعليم، وأصبح
يقرأ سوراً من القرآن ويرتلها ترتيلاً، وقد سُعدت به أسرته كثيراً حين كان يقرأ
الخبر والرسالة، كما كان حديثهم عن سلامته من عقاب ذلك المعلم مبتور الساق الذي
كان سوطه لا يسلم منه إلا القليل من التلاميذ.. هذا السوط الذي كان يهوي به من
مرة إلى عشرة على أيدي كثيرٍ من التلاميذ الذين لا يستوعبون الدرس ولا يفهمونه،
وهو يستعمل السوط نفسه أيضاً في ضرب الحمار ليسرع في المشي أو ليغير المسار.
وكان التلاميذ جميعاً خلال السنة الأولى قد تعلموا وعرفوا القراءة والكتابة
والحساب، وكذلك المحافظة على النظافة والصحة والآداب.
وبعد انتهاء السنة الأولى من التعليم أغلقت المدرسة بابها
وخرج التلاميذ كافة لقضاء عطلتهم، كلٌّ مع أسرته للعمل في الحقل أو رعي
الماشية. أما وليد فقد رحلت به أسرته إلى المدينة القريبة جداً من قريتهم
الصغيرة، لتعيش هناك أوقاتاً قصيرة، وقد سكنت الأسرة في بيت وسط المدينة في
ساحته حديقةٌ فيها شجر وماء وياسمينة، والمدرسة منه قريبة، وأمامها ساحةٌ واسعة
تحيط بها أشجارٌ كبيرةٌ وشوارعُ معبَّدةٌ نظيفة وعريضة، والماء يجري في كل مكان
بغزارةٍ مثيرة. والمارّة كثيرون، يلتقون على الأرصفة وهم يمشون، بعضهم يلقي
التحية، والبعض لا يكترث وهو يسعى جاداً في طريقه للوصول إلى غايته ومبتغاه.
ومئذنة المسجد الكبير في المدينة، المصمم أجمل وأحسن تصميم، عاليةٌ ترتفع إلى
أعلى يراها كل مارٍّ وناظر من قريب أو بعيد، وخلف المسجد قبور الشهداء من
مسلمين غير العرب، أتراك عثمانيين، في سطور منتظمة كعسكرٍ مصطفين في طابور.
سمع وليد أذان العصر يُرفع من المسجد الكبير، بصوتٍ عالٍ له
رنين، بعد ذلك بقليل شاهد أولاد المدينة يسيرون في مجموعاتٍ قليلة نحو ساحة
المدرسة غربي المسجد الكبير. حتى ذلك اليوم لم يكن وليد يعرف أحداً من أولاد
المدينة لمرافقتهم والذهاب معهم لساحة المدرسة، لقضاء بعض الوقت للمتعة في
اللهو واللعب، لكنه قرّر الذهاب إلى الساحة بمفرده ولوحده، رغم التردد الذي كان
يراوده في البداية. وحين وصل إلى هناك كان بمثابة متفرجٍ فقط، وقد شاهد الأولاد
كل واحد منهم يخرج من جيبه البنانير الزجاجية الملوّنة وهم يلعبون مع بعضهم
البعض، يكسب أحدهم بنانير الآخر فيغضب للحظة ثم يسلم بالأمر.
بقي وليد يتمتع وهو يشاهد لعبة البنانير في ساحة المدرسة
الواسعة عظيمة الجمال، يرى الأولاد هؤلاء الذين يخسرون بنانيرهم يغضبون أما
الذين يربحون فيفرحون فرحاً لا مثيل له، حتى ارتفع صوتُ المؤذن عالياً ليعلن
موعد صلاة المغرب، وهو ينادي جموع المسلمين لأدائها.
يتبع
|