العدد  449     الثلاثاء 19/6/2007     4 جمادى الآخرة 1428 هـ

إحدى مهجَّرات قضاء بئر السبع- أم جابر: “بلادنا شيعت لينا مع الطراش وإن شفتنا هالسنة ما شفتنا من عاش"

غزة / كتب: رائد أبو ستة

  وُلدت في قضاء بئر السبع وعاشت لاجئةً في جنوب قطاع غزة. زارت وأقامت في أكثر من بلد عربي: الكويت ومصر والسعودية والأردن، وأدّت فريضة الحج مرتين، لكنها ورغم رغد العيش في تلك البلاد لا تزال تؤكد أن أجمل البلدان وأحبها إلى قلبها وطنها الأم خربة "معين أبو ستة" في قضاء بئر السبع جنوب فلسطين.

  الحاجة "أم جابر" حربة سلمان مصطفى أبو ستة 82 عاماً، تحفظ الكثير من الأقوال والأهازيج و"الرزازيع" (جمع رزيعة وهي لون من الشعر البدوي) فقد كان والدها شاعراً وعازف ربابة. ورغم أنها في العقد الثامن من العمر إلا أن ذاكرتها لا تزال متقدةً تحضرها الكثير من صور أيامٍ خوالٍ ولّت.

  بدأت حديثها لـ"أخبار النقب" قائلةً: "يا شيخ نوران نذرك كبش وقلادة.. من يوم قالوا سميح الوجه في بلاده"، والشيخ نوران هو ولي يقع مقامه إلى الشرق من الخربة الكائنة في الجنوب الغربي لقضاء بئر السبع إلى الغرب من بلدة العمارة. وتمتد أراضي أبو ستة، من أشهر عشائر قبيلة الترابين المعروفة في بادية فلسطين، غرباً حتى بلدة خزاعة شرق مدينة خان يونس جنوب شرق قطاع غزة، وتحدّها من الشمال أراضي عائلات الزريعي وأبو عويلي وأبو خماش وأبو مغيصيب وهم من عشائر الترابين، أما من الجنوب فتحدّها أراضي عائلة أبو شعث. وهنا تحدِّد أرض أسرتها وبني عمومتها في الخربة، وتقول إنها تقع في الطرف الغربي الجنوبي من المعين، وتنشد "عَ قوز السناطي لاقعد وارتاحي.. لمن يجنّا البيض الملاحي" والسناطي تل مرتفع عن مستوى الأرض حوله.

  ترجع إلى أيام الطفولة، وتقول: "اصبرن يا بنات لليلة السبتية" وتوضح إن أحد الأطفال من جيلها وكان يتعلم في المدرسة الخاصة بالعشيرة يعِد أقرانه من الأطفال بالحلوى يوم السبت بعد أن يكون قد باع كميةً من الشعير الذي جمعه من بقايا الحصيدة، فيما يُعرف لدى الأهالي بـ"التصييف"، في يوم الجمعة يوم الإجازة الرسمية.

  يُذكر أن مدرسة العشيرة أسسها الشيخ حسين أبو ستة مختار العائلة في وقت مبكر، وتخرج منها العديد من أبناء العشيرة ممن أصبح لهم شأن، مثل المهندس حامد أبو ستة 85 عاماً وهو عضو أول لجنة تنفيذية لمنظمة التحرير لدى قيامها، والدكتور سليمان أبو ستة 83 عاماً أحد أوائل الأطباء الذين عملوا في الخليج العربي، والأستاذ إبراهيم أبو ستة رحمه الله الذي درس الحقوق في الفوج الأول لكلية الحقوق بجامعة القاهرة والذي تقلد مناصب عدة من أبرزها رئاسته لبلدية مدينة خان يونس ثاني أكبر مدينة في القطاع.

  وحول أبرز الألعاب التي كان الأطفال يمارسونها حينه، بيّنت إنهم كانوا يلعبون ما تعرف بـ "حبطبط"، وفيها تلعب مجموعةٌ من الأطفال حيث يختبىء البعض ويبحث عنه الآخرون. ولعبة "عظيم مراح" الشهيرة في بادية فلسطين والتي تُلعب بالعادة في الليل، حيث يلقي الأطفال بعظمة في الخلاء وينطلقون يبحثون عنها إلى أن يجدها أحدهم فتُسجَّل لصالحه نقطه. في هذا الباب تشير الحاجة أم جابر إلى أن الفتيات كن يرددن الأهازيج والرزازيع، حيث يجتمعن من مختلف الأعمار في ساعات المساء في باحةٍ أمام بيوتهن، ويشرعن في الغناء، ورددت مما لا تزال تحفظه: “اتقربن واحنا نتقرب ليكن.. واتقربن رن الختم في ديكن" وزادت في ذات السياق: “يا من لقى السراير دورويش معه ذراير.. ويا من لقي المرجونه صقير معه مزيونهوالمرجونة هي سلة أو قفه من سعف النخيل كانت تستخدم لحفظ الخبز). وتصف أم جابر كيف كانت تلمع الفضة والذهب الذي تتزين به الفتيات في الليالي المقمرة حيث تعكس حليهن ضوء القمر الخافت. وتضيف: "تتزين الفتيات بـ"الوقاة" وهي عبارة عن قطعة قماش تخاط عليها الحلي ذهب وفضة وتلبسها المرأة البدوية فوق جبينها وتتدلى من على جانبيها ما يعرف بـ"الزنقان" والشراشيب. وتقول في زي المرأة  البدوية: "المرأة البدوية معروفة بحيائها، فقد كنا نغطي رؤوسنا بقُنعة سوداء اللون تتدلى على ثوب البدوية المعروف بتطريزه الخاص"، وتذكر هنا أن الفتاة عندما تتزوج يضيفون لزيها العباءة الجوخ التي كانت تُشترى من مصر.

  بالرغم من بساطة عيش الناس في حينه، تؤكد الحاجة أم جابر على أن أرضهم كانت أرض خير، وتشير لطبيعة نشاط السكان: “الأهالي كانوا يزرعون الأرض بالحبوب شعير وقمح وبطيخ، وغالبهم من أصحاب الأراضي الزراعية كانوا يشاركون الناس من المناطق المجاورة من: خان يونس وغزة، في زراعة واستصلاح الأرض المعروفة بخصوبتها العالية". وتضيف حول طبيعة نشاط السكان في حينه،" والكثيرون كانوا يربون المواشي من جِمال وأبقار وماعز وخراف، وخيول"، وتبين أن البعض الآخر كان يعمل في التجارة.

  عن صفو الحياة آنذاك وسر حفظها للرزازيع البدوية، بينت أم جابر أن والدها كان يقول الكثير من الشعر والبدع في السمار، وتتذكر كيف كان يجلس في ليالي الصيف أمام بيته وحوله الأصدقاء ملتفون حول بكرج القهوة، وهو يعزف على الربابة ويروي من القصص والروايات الكثير. تبتسم وتقول: كان يبدع في مواضيع كثيرة، في أي شيء كان يستطيع أن يحوله إلى رزيعه. وتنشد:  "وامشي معك يا قمر واللا معك يا غين، واللا معك يا لخذيري يا كحيل العين" وأخرى: “وامشي مع الشط والذارى مع الطفطاف، والمنتقي قال في أكثر من اللي شاف"، وتزيد: “حفرت لي ساقية يا طية مرجان، يا جمة من عسل مشروب للصبيان"، وتواصل: “حفرت لي ساقيه يا طية جنيهات يا جمة من عسل مشروب للزينات". وتضيف :”أقدر ألم البحر واصاوله في جرار.. ودير الزين من غرب البحر يندار"، “وأقدر ألم البحر واصاوله في اقرب.. ودير الزين من غرب البحر يشرب"،  ولأخيها المتوفى درويش نصيب "شفت الذلول (الناقة) طايبه والعصر ومغيره، درويش أبو صقير ديمه سيرته زينه" وتختم : “سلامات يا صاحبي مد ايدك عليّ سلم، فيدك سليتات فضه دقة معلم".

  تزوجت الحاجة أم جابر في وطنها وفي عربها وعشيرتها، وأنجبت أربعةً من الأطفال قبل الهجرة عام 1948م، وصادف أن يكون بيتها مُقاماً بالقرب من مدرسة العشيرة، "بيتي كان مقام بجوار المدرسة، وأتذكر أن الشيخ محمد أبو لية معلم المدرسة وزوجته أقاموا في المدة الأخيرة بجوارنا". وانتقدت هنا عدم اهتمام الأهالي في حينه بتعليم البنات، فقد كان طلاب المدرسة من الذكور فقط. وهنا أشادت بالشيخ عبد الله موسى أبو ستة أحد أبرز الثوار ورجالات المقاومة الفلسطينية في جنوب فلسطين، الذي سمح لابنته، وتدع أيضا "حربة" الالتحاق بالمدرسة لتكون أول بنت من بنات العشيرة تدخل المدرسة في ذلك الوقت المبكر".

  على تلك الحال من البساطة والرخاء وهنأة العيش كان أهالي قضاء النقب عموماً، قبل أن تباغتهم أطماع الصهيونية التي ادعت أن فلسطين أرض بلا شعب!!!. لا زالت راسخة في ذاكرة الحاجة أم جابر تلك الليلة السوداء عندما، هاجمت القوات الصهيونية الخربة، بعد أن تصدى لها الأهالي والمقاومون من أبناء الخربة عدة مرات في السابق. في تلك الليلة اشتد قصف الغزاة ودفعوا بحشودهم إلى قلب الخربة ما اضطر السكان إلى الهروب خوفاً على حياتهم من جرائم الغزاة الذين سبقتهم أخبار جرائمهم بحق أهالي القرى الفلسطينية في شمال فلسطين. تقول: “في ساعة متأخرة من إحدى ليالي الصيف أيام الحصيدة تحديداً، فزع الأهالي من صوت القصف  الشديد، وأخذوا في الهروب بحثاً عن أماكن أكثر أمناً" وتشرح: “حملت طفلي الصغير المرحوم سلمان في حضني، وابنتي فاطمة فوق كتفي، وانطلقت باتجاه الغرب. الناس فروا مذعورين، ولم أكن أعلم ما هو مصير زوجي الذي كان من  بين الذين تدربوا على السلاح من أبناء العشيرة للتصدي للعدوان. سرت باتجاه الغرب مع مجموعةٍ من الأهالي، حتى وصلت إلى عرب الحناجرة شمال شرق مدينة خان يونس، حيث أقمت ليلتي عندهم، وفي الصباح تناقل السكان أخباراً جيدة عن تصدي المقاومين للعدوان، وأذكر أنهم جاءوا بقرب مياه لجنود إسرائيليين، شربت من إحداها". وتُواصل حديث الألم على ما فُقد: “لكن الكثرة غلبت الشجاعة، فقد استولى الصهاينة نهاية الأمر على الأرض بالقوة، وطردوا سكانها، إلى قطاع غزة". وتذكر الحاجة أم جابر إنه في معارك التصدي للعدوان استُشهد أحد أبناء العشيرة الشهيد محمد جمعه أبو ستة ابن عمتها، ومقاوم آخر من عائلة الأسطل من سكان مدينة خان يونس قدِم للمساهمة في التصدي للعدوان.

  تختم الحاجة أم جابر حديثها الشيِّق كما بدأته مجيبةً عن سؤالٍ أخير حول حلم العودة إلى الوطن الأم: "وبلاد عجعجت ما مسكن فيها وبلادنا الشرق يا محلى مرابيها" وتؤكد حق العودة "وبلادنا شيعت لينا مع الطراش وان شفتنا هالسنة ما شفتنا من عاش".

   إطبع                                         أرسل إلى صديق

العودة إلى صفحة العناوين

 

مطلوب

مجلس حورة المحلي

 

 

 

 | أضفنا للمفضلة|    |  اجعلنا صفحة البداية |     | أسئلة وأجوبة |   | أحصل على الصحيفة عبر البريد | 

| مقاييس فنية |    | نماذج ضريبية |  

جميع الحقوق محفوظة لصحيفة أخبار النقب ©1988-2007