العدد  449     الثلاثاء 19/6/2007     4 جمادى الآخرة 1428 هـ

ابن القرية (الحلقة 15)..

قصة متسلسلة/ بقلم: نوري العقبي

  عاد وليد سالماً وهو يتجول في شوارع المدينة حينما ارتفعت الشمس وبلغت كبد السماء، وأصبح النهار في منتصفه، واقترب وليد من بيت أهله وأدركه، فوجد أبيه عائداً منذ لحظات يحمل أنواعاً من الأثاث الجديد للبيت الجديد، منه الأرائك المريحة والبسط ذات الخطوط الملونة الجميلة والحُصر الفاخرة، التي أصبح البيت يضيق بها.

   أما المطبخ فلم يعد يتسع للقدور والطناجر والمغارف والصحون الكثيرة، وكذلك الطبلية ومفرمة الملوخية التي تمزق أوراق الملوخية حتى تكاد تصبح شبه العجينة الخضراء. إنبهر وليد من كل شيء شاهده في المدينة وشوارعها حتى أضوائها خافتة الأنوار، والمسكن الجديد والأثاث الذي كاد يُنسيه القرية وأهلها، لكنه سرعان ما تذكر قريته وبيوتها والجيران وجدّه وأرضه وتلك التلال والإبل والخيل والماشية وهي ترعى الفلي في الحقول الكثيرة وتشرب من مياه الآبار الجارية.

  إنتهت العطلة الصيفية بسرعة، وهي فرصةٌ تمتع وليد خلالها بكل لحظة مرّت مع أصدقاء جدد كُثر تعرَّف إليهم في ساحة المدرسة الكبيرة المحاطة بأشجار جميلة الشكل، موحَّدة الحجم والارتفاع. هؤلاء الأصدقاء من أولاد المدينة، مؤدبون محبون لبعضهم، للغير وللغريب، وحتى لجميع المارة في شوارع المدينة. وقبل أن تنتهي الفرصة السعيدة بأيام غير مديدة قررت أسرة وليد البقاء في المدينة الجميلة؛ وهكذا التحق بالمدرسة الكبيرة ليتعلم فيها خلال سنة طويلة بعد أن زوده أبوه بكل طلبات المدرسة الدقيقة، حقيبة وكتب ودفاتر وأقلام ومسطرة عريضة عليها خطوط كثيرة، وعندما جاء اليوم الأول وفتحت المدرسة أبوابها خرج وليد مع الآخرين من أولاد الجيران سائرين على الأقدام جادّين حتى دخلوا ساحة المدرسة من باب واسع كبير ثم وقف كل منهم في سطر مستقيم، الواحد منهم خلف الآخر، وأمامهم معلمهم ليرشدهم للقيام ببعض التمارين الرياضية وكأنها تمارين عسكرية، وبدأ التعليم، وكان الجدّ والتحصيل، وتقدم وليد جيداً في الفصل الأول.

   كان التلاميذ من أولاد الأفندية يحسدونه لكن حبه للتعليم وشوقه للمدرسة وللمعلمين كان هذا هو الكفيل في تقدمه وتفوقه على الآخرين.

  إقتربت فرصة الربيع واشتاق وليد كثيراً لزيارة القرية وأهلها، كما أنه أحس أن لدى أهله رغبة وشوق وتأكيد مثله لزيارة القرية وأرضها التي باتت خضراء بعد أن غطاها الزرع وأعشاب الربيع.

  أعدّت الأسرة نفسها للخروج لقضاء إجازة الربيع مع ابنها وليد، لبيتهم وقريتهم، لقضاء وقت قصير. وكانت الأم عملت يوماً كاملاً في العمل وترتيب بيتها في المدينة حيث جعلت جميع أدوات المطبخ والمفروشات وكل أثاث البيت نظيفة ومرتبة. وبعد المساء، أثناء العشاء، سمع وليد أباه يتحدّث عن الشاحنة التي ستنقل الأسرة مرةً واحدةً من المدينة إلى قريتهم القريبة نهار غدٍ صباحاً، وقد أيقن وليد بأن أباه لن يستعين بالجمال ويستخدمها غداً للرحيل، وأن الشاحنة ستكفي لنقل جميع أفراد الأسرة وحاجياتهم الضرورية اللازمة لقضاء الإجازة. ولما جاء الصباح وأشرقت الشمس توقفت الشاحنة بمحاذاة الرصيف أمام بيت أسرة وليد، التي أخذت تتعاون في تحميل الحاجيات التي قررت نقلها لحاجتها بها للقرية، ثم صعد أفراد الأسرة على ظهر الشاحنة إلا وليد وأبوه الذين كان لهما مقعد بجانب السائق، هذا بعد أن شاهد وليد كيف يشغّل السائق محرك الشاحنة هذا بعد أن أدخل قضيباً من الحديد المعرّج في مقدمة المحرك ثم لواه بقوة وسرعة عدة مرات، اشتغل المحرك على إثرها وبسببها، ثم صعد السائق والجميع إلى غرفة القيادة وبدأت الشاحنة تتحرك منطلقةً بسرعة أكبر من سرعة الخيل. وحين وصلت إلى الشاحنة إلى القرية كان أهلها ينتظرون وكأنهم على علمٍ مسبق بقدوم أسرة وليد، وقد تعاون الجميع في إفراغ الشاحنة التي كانت تحمل القليل، أما الناس في القرية فقد كانوا ينظرون بشيء من الدهشة والغرابة لتلك الشاحنة، التي كان قليلاً ما يرون مثلها في ذلك الزمان، وهي التي تستطيع نقل الحمل الثقيل والناس الكثيرين بمقدار كثير من الجمال والخيل، وقد تحدث الرجال بذلك حينما غادرت الشاحنة تاركةً المكان بسرعة، والغبار من خلفها يتطاير بقوة ليغطيها ويحجب عنها الأنظار.

  رحّب رجال القرية بأسرة وليد أحسن وخير ترحيب، وهي التي غابت عن القرية بضعة أشهر. بعد ذلك تركوا الأسرة لترتيب بيتها في القرية واصطحب الرجل أبا وليد معهم للديوان، حيث كان بكرج القهوة العربية جاهزاً. وبينما كانوا يشربون القهوة تحدثوا وتقاضوا حول من منهم أحق بتحضير الطعام للضيوف أسرة وليد، وثبت أن الأحق بتحضير الطعام هو الجار الأقرب لبيت أسرة وليد. وهكذا استمرت الحفاوة والتضييف من أهل القرية الجيران الأقربون لمدة ثلاثة أيامٍ طوال.

يتبع

   إطبع                                         أرسل إلى صديق

العودة إلى صفحة العناوين

 

مطلوب

مجلس حورة المحلي

 

 

 

 | أضفنا للمفضلة|    |  اجعلنا صفحة البداية |     | أسئلة وأجوبة |   | أحصل على الصحيفة عبر البريد | 

| مقاييس فنية |    | نماذج ضريبية |  

جميع الحقوق محفوظة لصحيفة أخبار النقب ©1988-2007