|
ابن القرية (الحلقة 17)
قصة متسلسلة بقلم: نوري العقبي

ما أن توقّفت دواليبُ الشاحنة عن الحركة، وسكت هديرُ محرّكها
وضجيجه، وترجَّل جميعُ ركّابها عن ظهرها، وتم تفريغ حملها القليل الذي كان
يحتوي على المستلزمات الضرورية اللازمة للاستعمال اليومي لدى الأسرة، حتى أسرع
أبو وليد يبحث عن طبيبٍ لمعالجة الجدة حميدة والدته.
وبعد وقتٍ قليل، عاد وهو يصطحب الطبيب المعروف المشهور في
المدينة، يحمل حقيبةً في يده، وفيها أدواتٌ للفحوص وبعضَ الأدوية. وبعد أن أجرى
الفحص اللازم للمريضة، قرر معالجتها بحقنةٍ من البنسلين، كما ترك لها كميةَ
أقراصٍ صغيرة ذات لون أبيض، لعلاجها خلال الأيام القادمة. ثم طلب الطبيب الخلوة
بأبي وليد، ليحدّثه على حِدة حول المرض الذي ألمّ بالجدة حميدة، لكنّ وليد
تجاهل الموقف، وتسلل خلفهما ليراقب أو يسمع ما يقوله الطبيب حول صحة جدته حميدة
حتى يطمئن عليها. كان يراقب أباه وهو يصغي بكل حواسّه إلى كلام الطبيب، وقد
أخذت تتغير ملامح وجهه وتتحرك عضلاته بسرعة، كما بانت عليه علامات الحزن
والأسى، وكأنّ الجدة حميدة فارقت الحياة، لكن أبا وليد وضع يده في جيبه، وكأنه
يريد قطع حديث الطبيب الذي وقع عليه كالصاعقة، مؤثراً صعباً، وأخرج محفظته ثم
فتحها ليُخرج منها بعض النقود التي وضعها في يد الطبيب، فأخذها وهو يشعر بالأسف
على الموقف، ثم أدار ظهره وانصرف.
أما وليد، فكان ينظر تارةً لأبيه وتارةً أخرى لجدته حميدة،
وهو لا يجرؤ على الكلام، خوفاً من الكلام حول المجهول، أو إثارة المشاعر
الجياشة عند أبيه وكل العائلة.
كانت الجدّة حميدة تئنّ من الألم بدون انقطاع، وبقي الحال كما
هو حتى جاء رجلٌ ليطرق الباب ويدعو أبا وليد للخروج معه. وقد خرج فعلاً مع
الطارق، ولكن لا أحد من أفراد الأسرة يعلم إلى أين! كما أنه لا مجال للأسئلة
حول تحرّكات الرجال في ذلك الزمان، وهم الذين يقاومون الإنجليز وحكمهم وتعاونهم
مع القوم الطامعين، كما أن هناك خوفٌ شديدٌ من تربّص الإنجليز وبطشهم وملاحقتهم
المواطنين.
بعد المساء جاءت أم وليد بالطعام للجدة حميدة، وكان هذا
قليلاً من الارز وكوبٍ من اللبن، لكن الجدة حميدة لم تقبل تناول الطعام بالرغم
من محاولات أم وليد وتشجيعها الذي لم يثمر، ولم تتناول إلا نصف كوب اللبن. وبعد
صلاة العشاء، حين عاد أبو وليد من رحلته القصيرة، وقدّمت له أم وليد طعام
العشاء، حدثته عن امتناع الجدة حميدة عن تناول الطعام الذي قدمته إليها، حينها
حدّث زوجته ونقل لها رأي الطبيب عن مرض أمه وحالتها الخطيرة، خاصةً وأنها
متقدمة في السنّ، لكنه لم يفقد الأمل، وأردف قائلاً: "سنستدعي الطبيب غداً
صباحاً إن شاء الله، وإني أرجو الله أن يشفيها ويخفف عنها الألم، وألا يمسها في
المدينة سوء".
كان أبو وليد رفيقَ جماعةٍ تبحث عن مصادر السلاح وكيفية
شرائه، ذلك في سبيل المقاومة والكفاح ضد الانجليز، الذين جاءوا بقومٍ من كل
بقاع العالم ليستوطنوا ويقيموا لهم دولةً على أرض شعبهم المهدَّد بالذبح
والتشريد في كل مدينةٍ وقريةٍ وبادية.
كان مرض الجدة حميدة قد أعاق بعض الشيء تعاون أبي وليد مع
الرفاق، وكان يخشى التقصير تجاه رفاقه، أو تجاه أمه حميدة التي ألمَّ بها مرضٌ
قاتل، وقد سبّب له هذا الأمر إرباكاً كبيراً في تحركاته وبرامجه اليومية، واختل
التعاون مع جماعته، وهي الجماعة التي يمر مشروعها بظروفٍ عصيبةٍ وخطيرة، وكان
أبو وليد يعيش حالة جذبٍ بين القيام بواجبه تجاه والدته، وبين جماعته التي أقام
علاقته بها منذ جاء للمدينة.
لم يكن وليد سعيداً حين خرج للمدرسة ذلك الصباح، كما كان
الأبوان أيضاً غير سعيدين، بل البيت كله كان يتألم من ألم الجدة حميدة، وكانت
أفكار وليد تتسارع وقد أصبح يخاف على جدته من الموت، ويتساءل: لماذا جئنا
بالجدة إلى المدينة؟ هل لتموت هنا فيها؟!.
لم يشارك في الدروس، وبقي منطوياً صامتاً حزيناً حتى نهاية
اليوم حين عاد مسرعاً لبيته ليطمئن على صحة جدته، فوجد أمه بجانب جدته تحاول
إقناعها شرب كوب من الشاي لكنها لا تستطيع أو لا تقبل. أما أبو وليد فكان
خارجاً ليأتي بالطبيب، الذي حضر وأجرى الفحوص الجديدة، وأكد بعدها أن حالتها
شديدة الخطورة وأنه لا جدوى من الناحية الطبية. وهكذا بقي أفراد الأسرة حول
فراش الجدة حميدة وهي تئن وتتألم، وجاء المساء ثم الليل، وانتهى. وعند الفجر
سكت الأنين، وأسلمت الجدة روحها، وشهد لها أبو وليد بإسلامها، ووجّه وجهها نحو
القبلة، ثم خرج لصلاة الفجر.
بعد الصلاة بدأ التحضير لمراسم الجنازة والدفن، وكانت حفرتها
تناديها في وسط مقبرة المدينة، حيث تمت صلاة الجنازة عليها، وتم دفنها بعد أن
حضر جنازتها أهل قريتها من الرجال والنساء وجمعٌ غفير من رفاق أبي وليد وأهل
المدينة.
يتبع..
|