العدد  452     الثلاثاء 10/7/2007     25 جمادى الآخرة 1428 هـ

يخبئ مفتاح الدار وأوراق الطابو في خزانته

الحاج أبو ركبة: "لا أحد يمكنه سلب حقنا في العودة اليوم أو بعد ألف عام.. سنعود. وما يدور يؤخر موعد العودة فقط"

غزة/ كتب: رائد أبو ستة

  لم يُمض سوى أسبوعٍ واحد في كُتّاب القرية، إلا إنه يجيد اللغة الإنجليزية، وبلكنة بريطانية صرفة. وبالرغم من تمسكه بحقه كلاجيء في فلسطيني بالعودة إلى الديار التي شُرّد منها، لا يُخفي خيبة أمله من عودةٍ قريبة في ظل الظروف السياسية القائمة في فلسطين والمنطقة العربية.

  وفي غرفته الصغيرة المعرَّشة بألواح الاسبست بمخيم جباليا، الذي يزيد تعداد سكانه عن 100 ألف نسمة، يخبئ أوراق الطابو، ومفتاح الدار، ومن حولِه أولادُه وأحفادُه، المولودون في ديار اللجوء ولا يعرفون من الوطن سوى قصص وحكايات الكهل الذي لا يزال يحلم بالعودة. وكأنه في ظل ضيق المكان يلجأ إلى سعة الذكريات في الماضي الجميل، لهذا ربما لم تفارقه الابتسامةُ طيلة توثيقِنا لشهادته.

  عاش عِقدين من عمره في هنأة الوطن، عمل بائع برتقال ومن ثم مترجماً، لكنه أيضاً شاهد بأم عينيه بشاعة الاحتلال وقسوته، وكان شاهد عيان على جريمة إلقاء عصابات الصهاينة عدداً من أهالي قريته المهجَّرة في بئر مياه.

  إنه الحاج جودة ذيب محمد أبو ركبة 80 عاماً، المقيم في مخيم جباليا للاجئين الفلسطينيين، شمال قطاع غزة، ضيف هذا العدد من "أخبار النقب".

  كثيرون من الذين عملوا في سنٍّ مبكرة ومنهم ضيفُنا، الذي بدأ العمل في بيع البرتقال وهو لا يزال في سن العاشرة فقط: "بدأت العمل مبكراً، كنت أبيع البرتقال بالقرب من كامب الجيش الإنجليزي غرب قريتي "دِمرة" التي تقع في الشمال الغربي للنقب". ويحددها بدقّة: "دمرة يحدها من الشرق نجد ومن الغرب دير سنيد ومن الجنوب بيت حانون ومن الشمال بيت جرجا". ويواصل: "كنت أبيع البرتقال الذي نجمعه من بيارة والدي الحاج ذيب الذي كان يملك بيارة كبيرة قرابة 1700 دونم".

 

مترجم!

  وحول سني طفولته في دمرة قال: "كنا نعيش على الطرف الغربي من القرية، بالقرب من محطة قطار دير سنيد وكامب الانجليز أيضاً. حياتنا كانت هانئة، لم أكن أحب اللعب كثيراً كباقي أطفال القرية، فقد انشغلتُ مبكِّراً بالعمل". لكنه يشير إلى بعض الألعاب قائلا: "كنتُ ألعب أحياناً لعبة (الغماية) حيث يغمض أحد الأطفال عينيه بينما يختفي باقي الأطفال، وعليه بعد ذلك أن يجدهم".

  وعن التحاقه بكتّاب القرية قال: "كان في قريتنا كتّاب يديره شيخٌ قدم من جمهورية مصر العربية، واذكر أن اسمه الشيخ محمد المصري. قبل أن يذهب إلى بيت جرجا ويأتي بعده الشيخ محمد عكاشة". يبتسم ويواصل: "لم أمكث سوى أسبوع واحد في الكتّاب! فلم يكن لدي رغبة بالتعلم"، وهو ما دفعنا إلى سؤاله عن سر إجادته للإنجليزية؟ فأجاب: "عندما كنت أبيع البرتقال تعرفت على جنود وضباط بريطانيين، ومن خلالهم تعلمت الإنجليزية، مما دفعهم إلى تعييني مترجماً للجنرال آنستون قائد الكامب في حينه".

  وحول طبيعة نشاط السكان قال: "أهل دمرة في معظمهم يعملون في الزراعة، الكروم والحمضيات والزراعة الموسمية مثل الحبوب والخضار، وتربية المواشي. والبعض منهم كان يعمل في التجارة بفضل مرور القطار القادم من مصر". وزاد: "الناس كانوا يعيشون حياة بسيطة، كثير منهم يعيشون في بيوت من الطين والحجر. والدي كان من أغنياء القرية، فكان لنا بيت كبير من الحجر، وبئر مياه كبيرة فوقها بناء من الحجر، كان الناس يصعدون أعلاه لمراقبة هلال رمضان".

 

جريمة البئر

  إنسحب كامب الإنجليز، في العام 1948، ولا يزال يتذكر حديث الضابط البريطاني له حول التطورات اللاحقة لانسحابهم: "أتذكر أن الضابط الانجليزي، قال لي: إن قادم الأيام يحمل الكثير من السوء، بعد أن ننسحب، فكن حذراً". وفعلاً، وبعد ستة أشهر من انسحاب كامب الانجليز عن قرية دمرة، باغتت عصابات الصهاينة القرية الوادعة وشردت أهلها. عن تلك اللحظات العصيبة قال الحاج جودة: "بعد انسحاب الكامب، باغتتنا عصابات الصهاينة، كانوا مدججين بالسلاح بينما أهالي القرية لا يملكون ما يدفعون به البلاء عن أنفسهم سوى الدعاء وبعض البنادق الخفيفة"، وبحسرةٍ أكمل: "كان الهجوم عنيفاً، الطائرات الصهيونية ألقت براميل المتفجرات على منازل الأهالي الذين أخذوا بالفرار من القرية، الكثيرون نجوا والبعض استشهد، وهكذا سقطت دمرة". وزاد: "بالقتل والترهيب والوعيد، رحّلوا السكان، أنا نفسي سمعتهم ينادون عبر مكبرات الصوت ومن على ظهور الآليات الصهيونية، مهددين من يبقى في منزله بالويل والقتل... إنهم قتلة مجرمون".

  وعن جريمة قتل عددٍ من المواطنين بإلقائهم في بئر المياه الخاص بأسرة أبو ركبة قال: "رحلنا إلى خارج القرية، باتجاه قطاع غزة. وبعد أيام ذهب أخي صالح ذيب محمد أبو ركبة وكان شابّاً حينها، ومتزوجاً وله طفلة، ومعه نفر من الأهالي لمحاولة جلب ما أمكن من المتاع، ولمنع بعض اللصوص من سرقة محتويات بئرنا. لكن جنود الاحتلال باغتوهم ففر من فر وقُتل البعض. أخي لم يعد ولم نعرف مصيره، فعدت بعد الحادثة لأفتش عنه، وذهبت إلى البئر، لأجد الفاجعة، حيث وجدت جثث لمواطنين مدنيين أبرياء ملقاة بداخله"، ويوضِّح: "أتذكر أنها جثة لرجل من عائلة برعي، وأخرى لسيدة من ذات العائلة، وجثة لشاب لا أذكر اسمه الشخصي لكني أعرف انه ابن خليل الصيفي، وهم من أهالي القرية، وجثة لرجل من عائلة النجار كان أحد تجار القوافل التي كانت تسير بين القطاع والأردن وتمر بقريتنا، وجثتين أخريين لرجلين غريبين ليسا من قريتنا، على الأغلب من أهالي القرى الذين فروا إلى قريتنا بعد غزو الاحتلال لبلداتهم. لكني لم أجد جثة أخي". ويضيف: "كنت قد سمعت قبلها من بعض الأهالي إن قوات الاحتلال ألقت في بئرنا عدداً من المواطنين وهم أحياء، وهو ما دفعني للذهاب للبئر خصيصاً حيث كنت أتوقع أن أجد جثة أخي".

 

سنعود

  يشعر الحاج أبو ركبة بغصة في نفسه جراء الواقع السيء الذي تمر به القضية الفلسطينية اليوم، وهو السبب وراء تشاؤمه وخيبة أمله في عودة قريبة: "الأوضاع السياسية سيئة للغاية، ولا أعتقد أن الحكومات العربية جادة في دعم اللاجئين الفلسطينيين في العودة إلى ديارهم التي شُردوا منها، أنا غير متفائل".

  ولكن ما الذي يدفع برجلٍ متشائم الاحتفاظ بأوراق الطابو ومفتاح الدار؟ يجيب: "هذا لا يعني أنني فقدتُ حقي وحق أبنائي وأحفادي في العودة إلى ديارنا وأرضنا، إطلاقاً لا، وسنعود يوماً هذا أمر أكيد، إن الآن وإن بعد ألف عام.. سنعود. هذا حقنا الذي لا يمكن أن يسلبنا إياه أحد. ولكن أنا متشائم من الأوضاع السياسية، وأشعر أن مثل هذه الأوضاع يؤخر فقط في موعد عودتنا".

   إطبع                                         أرسل إلى صديق

العودة إلى صفحة العناوين

 

مطلوب

مجلس حورة المحلي

 

 

 

 | أضفنا للمفضلة|    |  اجعلنا صفحة البداية |     | أسئلة وأجوبة |   | أحصل على الصحيفة عبر البريد | 

| مقاييس فنية |    | نماذج ضريبية |  

جميع الحقوق محفوظة لصحيفة أخبار النقب ©1988-2007