العدد  452     الثلاثاء 10/7/2007     25 جمادى الآخرة 1428 هـ

ابن القرية (18) قصة متسلسة

بقلم: نوري العقبي

  ضاق بيتُ أسرة وليد، حتى "الحوش"، واكتظّ بأهل القرية من الذين جاءوا ليشاركوا الأسرة مُصابَها، وهي التي فقدت الجدّة حميدة رحمها الله، بعد أن ألمّ بها مرضٌ عضال لم يمهلها سوى أيامٍ قليلة.

  كان الازدحام خلال أيام العزاء في بيت الأسرة لا يُطاق، لكن الناس الذين جاءوا من القرية كانوا راضين صابرين، كذلك شاكرين لهؤلاء الجيران الطيبين الذين كان شغلهم الشاغل الاهتمام وتكريم من جاء من أهل القرية ليواسي أسرة وليد أيام العزاء. لكن وليد كان يتمنى لو أن الأسرة كانت حين وفاة الجدة حميدة في القرية، بدل كونها في المدينة، وذلك في سبيل راحة الناس على الأرض الواسعة، وعدم الاكتظاظ مثلما هو الحال في المدينة.

   مرّت أيامُ العزاء، والناس يأتون ويذهبون بعد تقديمهم التعازي والمواساة واحتساء فنجانٍ من القهوة السادة وتناول حباّتٍ من التمر الذي وُضع في قُفة صُنعت من أوراق وألياف النخيل، وهي تمور التقطت بعض ذرات الرمل المتطايرة نتيجة للرياح في أرض النخيل، وكان يحس بها ما بين الأسنان كلُّ من يأكلها.

  وقد كان في كل مساء، بعد صلاة العشاء، يأتي إمام المسجد القريب من بيت العزاء ليتلو سورةً من القرآن الكريم ترحُّماً على روح الجدة حميدة وعلى أرواح جميع المسلمين والمؤمنين، كما يُلقي عِظةً ورأسه تتحرك باستمرار مرةً ذات اليمين وأخرى ذات الشمال، يتمعن فيها وقعَ عظته وردود فعل القوم عليها.

  عاد وليد إلى مدرسته، بعد أن فقد الجد ثم الجدة وهو صغير، خلال عامين اثنين لم يسمع فيها موت أحد سواهما. كان حزنه ظاهراً عليه، قوياً ومؤثراً إلى حدٍّ جعله ينطوي على نفسه ولا يشارك زملاءه التلاميذ اللعب، أو حتى تبادل أي عبارات خارجة عن موضوع المدرسة والدراسة، وكأنه خسر عالمه.

  وبعد انتهاء أيام العزاء ودّع الأقارب من أهل القرية أفراد أسرة وليد وجيرانهم وعادوا لقريتهم ليمارسوا أعمالهم وحياتهم كعادتهم، كما عاد بيت أسرة وليد كما كان عليه هادئاً واسعاً، إذ غاب عنه الاكتظاظ وضجيج الهرج والكلام الكثير عن الأموات والأحياء وحياة المجتمعات والفرق بينهما في المدينة والقرية والبادية، ورموزهم في المحبة والكرم والسيرة الحسنة والحديث المتكرر حول الشهامة والبطولة وإقامة العدل بين الناس والوقوف إلى جانب الضحية والضعيف.

  مرّت الأيام والليالي، وكان وليد ما زال يشعر بالحزن الشديد على موت جدته، لكنه كان حين يخرج من بيته في طريقه إلى مدرسته، أو في طريق عودته وهو يتسكع، يراقب الناس من المارة على الشارع وعلى أبواب الدكاكين وشرفات المنازل وفي الحدائق وهم في غاية الابتهاج والسرور، أو هكذا يظن، ويسأل نفسه: كم من هؤلاء فقد غاليه؟! وكان جوابه لنفسه بأنه لا بد أن الكثير منهم من حزن يوماً على عزيزٍ فقده، لكن الحزن لا يمكن أن يدوم أبداً، ولا بد للإنسان أن يكبر وتتغير حاله، وأن يغيِّر ما بنفسه أيضاً، وهو يعرف أنّ بعدَ كلِّ ليلٍ يأتي الفجر ثم النهار، وبعد الحزن يجيء الفرح، والضيق يكون بعد الفرج، وخلفَ الجبال تمتدُّ الواحات، وخلف البحار تكون اليابسات، وأنَّ كلَّ حيٍّ على وجه الدنيا على هذه الأرض ما عدا الإنسان الغالي العزيز ينتهي ويظهر من جديد، والله يفعل ويحكم ما يريد.

  في صباح أحد الأيام، وقبل خروجه للمدرسة، سمع وليد أباه يحدث أمه ويخبرها أن جماعته سيأتون لزيارته بعد صلاة العشاء، وذلك للتشاور فيما بينهم حول بعض الأمور. وسألها عما إذا كانت القهوة ولوازمها متوفرةً فأجابت بأن الخير دائماً موجودٌ إن شاء الله ولا داعي للقلق. كان حديث أبيه وأمه حول زيارة الجماعة بمثابة دفعة ولو بسيطة نحو إخراجه من حزنه، وقد بدأ يفهم أن الحياة أقوى بكثير من البقاء على موقفٍ جامد لا يتحرك، ولا بد أن تسير الأمور سواءً كان ذلك في سبيل السعادة أو التعاسة، أو كانت الحياة حلوة أو مرة، فعلى المرء الصبر والمثابرة ولا سبيل آخر أمامه. كان هذا يومه الأول الذي يذهب فيه إلى مدرسته بعد موت جدّته، وشعر فيه بأنه قد بدأ يخرج من حزنه، كما أنه بدأ يمارس اللعب مع بقية التلاميذ ويشارك في الدروس بشكلٍ شبه عادي. وفي نهاية اليوم الدراسي عاد جادّاً مسرعاً إلى بيته دون مراقبة الناس في شوارع المدينة. وبعد صلاة المغرب جلس أفراد الأسرة لتناول طعام العشاء، بعد ذلك كان أبو وليد ينتظر جماعته التي بدأ أفرادها يصلون ليشاركوا في اجتماعٍ كان وليد يتشوق كثيراً لسماع مضمون ومغزى حديثهم فيه، وفهم أن الرجال يتحدثون عن سبل مقاومة القوم الطامعين في اغتصاب الوطن وكيف يمكن القيام بهذا العمل الذي يعتبره الإنجليز غير شرعي، وهم يطبقون الأحكام الجائرة وحتى حكم الإعدام بحقّ كل من يُلقى القبض عليه وفي حوزته سلاح ناري أو أي قطع من السلاح بما في ذلك الذخيرة. وسمع وليد أحدهم يقول إن الأمر صعب للغاية، خاصةً أن القوم يملكون كثيراً من المال وهم يسخِّرون السماسرة لإغراء بعض الناس ليبيعوا أراضيهم، حتى يتسنى للقوم الطامعين بناء المستوطنات، وإذا كتب لهم النجاح في ذلك فسيكون من العسير جداً على الناس مجابهتهم وصدهم، لأنهم يتلقون الدعم والحماية التامة من الإنجليز وهم يتحدثون نفس لغة الإنجليز، وأن كل المدن والقرى ستصبح في خطر بعد ابتياع الأراضي العربية وإقامة المستوطنات عليها، وإقامة المعسكرات تحتها وتخزين الأسلحة والذخيرة التي سيحاربون بها في حين لا يملك الناس من هذا شيئاً.

يتبع

   إطبع                                         أرسل إلى صديق

العودة إلى صفحة العناوين

 

مطلوب

مجلس حورة المحلي

 

 

 

 | أضفنا للمفضلة|    |  اجعلنا صفحة البداية |     | أسئلة وأجوبة |   | أحصل على الصحيفة عبر البريد | 

| مقاييس فنية |    | نماذج ضريبية |  

جميع الحقوق محفوظة لصحيفة أخبار النقب ©1988-2007