|
ابن القرية (19)
قصة متسلسلة بقلم: نوري العقبي

كانوا في ذلك المساء يجلسون على هيئة دائرةٍ في غرفةٍ
جانبيّةٍ كبيرة, وحين كان يريد أحدهم التحدّث يصغي له الرجال الآخرون باهتمامٍ
بالغٍ وعظيم. كانت الجماعة, عشرة من الرجال, أعمارهم في العقد الثالث أو يزيد
قليلاً، أما وليد فقد جلس جانباً بعد أن جاء بالماء للرجال ولم يعره أحدٌ
اهتمامه, وكان هذا بالضبط ما أراد, حيث جلس مصغياً باهتمام شديد لأقوال
الرجال!.
وقد شارك جميعُهم في الحديث الدائر، حول الأقوام الغازية
للبلاد عبر البحار وتحت جنح الظلام وفي حماية الانجليز الذين وعدوهم بوطننا
ليكون لهم وطناً, وهم الأقوام القادمة من مختلف الأقطار والجنسيات في العالم,
ويفعلون كلَّ شيءٍ ويشرِّعون الأمور حسب أهوائهم متذرعين بالديانة اليهودية
والتستر بها في سبيل إقامة واقعٍ آخر جديد على الأرض في هذا الوطن, الشيء الذي
سيقضي على طموح وتطلعات شعب البلاد التاريخي في التحرر والاستقلال وهو الشعب
الذي يئنّ تحت نير الاستعمار الانجليزي وبطشه منذ احتل البلاد وطرد العثمانيين
من سائر بلاد العرب في إفريقيا وآسيا. لكن ما لفت انتباه وليد كان حديث أبو
السعيد الذي أكّد لجماعته أن هناك سماسرةٌ استطاعوا مدّ ذراعهم الطويلة القادرة
بالمال الذي يتدفق على البلاد في حقائب ممثلي الأقوام وقيادتهم، وهم الذين
يخططون للاستيلاء على أكبر مساحةٍ من الأرض بالشراء أو حتى بالقوة حين تكون
الفرصة سانحةً بذلك, وقد استطاعوا فعلا منذ قرابة العقدين شراء بعض الأراضي
القريبة الملتصقة بقرانا ومدننا، وتم نقل هذه الأراضي على اسم مؤسسات الأقوام
أو الأفراد منهم لدى الدوائر الرسمية.
وهم يريدون إقامة المستوطنات عليها وبناء المعسكرات السرية
فيها وهكذا يصبح الشيء واقعاً، ويُقام رأسُ جسرٍ للعدوان علينا لا نستطيع
مقاومته وصدّه ونحن على هذا الحال من الضعف والتشرد بعد أن كان هناك إضراب ناجح
عامّ وطويل وأيضاً مقاومة هنا وهناك قبل نشوب الحرب العالمية الثانية بسنوات
قليلة. لقد كانت النية المبيتة للاستيلاء على الوطن قائمة والخطط جاهزة
للتنفيذ, وهي تشمل أولاً الاستيلاء على أراضي الساحل من شمال البلاد إلى جنوبها
حيث أقيمت على هذه الأرض بعض المستوطنات وهي عبارة عن مراكز حصينة تشبه الثكنات
العسكرية.
كان وليد يستمع إلى كلام أبو السعيد، هذا الكلام البيّن
الواضح حول خفايا القضية وتقلباتها والأمور الخطرة فيها, كذلك وجهات النظر
للرجال من الجماعة الذين قالوا كلامهم هذا الذي لم يكن فيه ما يدعو للأمل ولا
للتشجيع، خاصةً لوليد, حيث لم يقل أحدٌ من الرجال كلاماً من شأنه جعل الجماعة
تتفق عليه أو تؤيده وتتبعه وتعمل به في سبيل إبعاد الخطر ودحره, لكن الجميع
اتفق بوجوب الاستمرار في اللقاءات والاتصالات ببقية الجماعات العاملة على
الساحة, وأيضاً الدعوة للقاء الجماعة حين تكون الحاجة لذلك. أحسّ وليد بالخوف
الشديد على قريته وحزن في نفسه كثيراً حين سمع أبو السعيد يطرح أقواله هذه أمام
الجماعة من الرجال حول الحقيقة وبكل وضوح، وهو يقول إن الخطر آتٍ على مدننا
وقرانا. لم يسمع وليد أحداً من الجماعة يقول قولاً آخر من شأنه طمأنة أحد بأنه
من الممكن دحر الخطر عن المدن والقرى، وعن أهل البادية من العربان أيضاً. لذلك
فإن الخطر واقعٌ لا محالة على الوطن بكامله.
هنا تذكر وليد أحلام جدّه الحاج محمد الذي رأى فيها هذه
الأقوال التي جاءت في أعقاب الانجليز، وهي الأقوال التي تشكل الخطر الأكبر
والحقيقي على القرية وسكانها.
ودّع الرجال بعضهم وداعاً حارّاً وافترقوا... وذهب وليد ليأوي
إلى فراشه حتى سيذهب غداً صباحاً إلى مدرسته, لكنه لم يستطع إغماض عينيه وهو
يتساءل: ماذا تعني أقوال "أبو السعيد" أحد أفراد الجماعة أو ربما زعيمهم
وقائدهم حين يقول: "سماسرة الأرض", "حقائب مليئة بالمال", "قيادة الأقوام
وممثليهم أقوام متعددة لكن لها قيادة واحدة متراصة ومنظمة", وأيضاً "نقل الأرض
لمؤسسات الأقوام", وهل يمكن نقل الأرض؟! و"رأس جسر للعدوان علينا", و"نحن لا
نستطيع مقاومته وصدّه" ما معنى هذا العدوان علينا؟ هل يعني ذلك قتل الناس أو
تشريدهم وهدم القرية أو حرقها واقتلاع الكروم من أشجار التين والصبار، واغتصاب
البيت والأرض وكل الممتلكات؟. تخيّل وليد أن أقوال "أبو السعيد" ستصبح حقيقة،
وإن انتهت هكذا فإنها ستكون كارثة مرة, لذلك أحس وليد أن المستقبل مشؤوم عصيب.
كانت الأفكار تدور في رأس وليد بسرعة وهو يبحث عن مخرجٍ يفتح له ثغرةً، حتى ولو
كانت صغيرة، نحو باب الأمل فتجد الجماعة الرد المناسب لصد الأقوام الطامعة
المتربصة بالأرض وأصحابها.
ذبلت جفون وليد بعد ساعات طويلة من السهر والتفكير، وغلبه
النوم بعد أن كان لديه وفي قلبه الأمل الكبير بأن الجماعة ستعود وستجتمع قريباً
وستلقى الرد الصحيح المناسب لمقاومة الأقوام المعتدية وترد عليهم الصاع صاعين.
يتبع.. |