|
ابن القرية (21)
قصة
متسلسلة / بقلم: نوري العقبي

للتو
فقط غابت شمسُ ذلك النهار، وحلّ الغروب حين بدأ الرجال يتوافدون جماعاتٍ جماعاتٍ،
قليلة ومتفرقة, جاءوا إلى غارٍ في سفح جبل اتخذوه لهم مقرّاً.
هذا
الغار لا سبيل للوصول إليه ولا تعرفه عساكر الانجليز, كما أان
عامة الناس لا تعلم له طريقاً ولا يصلون إليه بسبب موقعه الجغرافي وعدم وجود
الطرقات المؤدية إلية أو القريبة منه.
كانت
نسمات الهواء البارد تهب وتهز برفقٍ غصونَ الشجيرات البرية من المتنان والبلان التي
كادت تسدّ باب ذلك الغار الحصين التي نقلت الجماعة لقاءاتها ونشاطاتها إليه, بدل
اللقاءات التي كانت تُعقد في البيوت الخاصة من بيوت أفراد الجماعة. كان ذلك أول
لقاء للجماعة بعد حصولها على السلاح والذخيرة بالشراء، وهم يريدون اليوم الاطلاع
عليه وإجراء التدريب على استعماله وصيانته.
إلتأمت الجماعةُ وأصبح لقاؤها كاملاً, وجلس الجميع في دائرةٍ على الأرض ليستمعوا
لكلام "أبو السعيد" حول رحلته التي قام بها إلى مصر وثمار تلك الرحلة، التي كانت
بهدف الحصول على السلاح الخفيف والذخيرة وأنواعها المختلفة، ثم انتقل بحديثه ليؤكد
وجوب المحافظة على العمل السري والتدريب المكثف على السلاح، واقترح أن يتولى إدارة
التدريب عبد الله أحد أفراد الجماعة, وهو الذي لديه خبرة متواضعة، لكنها أكثر بكثير
من غيره بسبب خدمته في أحد مراكز الانجليز, هذا لكي يصبح الرجال مدربين على استعمال
السلاح حين الحاجة للدفاع به عن الوطن.
كان
حماس الرجال لا يوصف ومعنوياتهم عالية جداً، حبّاً للتطوع والتضحية والعطاء وبذل
الغالي والنفيس في سبيل الدفاع عن مدنهم وقراهم وبواديهم, وقد عاهد الجميع الله
وإخوته من الجماعة أن يبقوا مخلصين للدين لا يبيحون بسرٍّ عن جماعتهم أو عن عملهم
حتى للمقربين منهم, وأن يحافظوا على سلاحهم لا يستعملوه قطعاً إلا في مواجهة
الأعداء الطامعين الذين جاءوا لينهبوا الأرض والوطن, يقتلون ويشرِّدون بدون رحمة.
ثم
قام أبو السعيد بتوزيع السلاح وأحزمة الذخيرة على أفراد الجماعة، وكان يذكِّرهم أن
من واجب الجماعة ملاحقة السماسرة باعة الأراضي على الأقوام التي أصبح لها وجودٌ
قويٌّ ومنتشرٌ في البلاد، خاصة في المدن الكبيرة، كما لهم هناك فيها عملاء يعملون
في الليل سرّاً يقومون بشراء الأراضي من أصحابها الفقراء بعد إغرائهم بالأموال، حيث
يتلقون مكافآتٍ مالية كبيرة مقابل ملكية الأراضي لمؤسسات هذه الأقوام، وتبقى
العمليات سرّاً لا يكشف عنها أحدٌ أو يمنعها.
بعد
ذلك توجه أبو السعيد إلى عبد الله يطلبه القيام تدريب أفراد الجماعة على سلاحهم،
وقد أخذ عبد الله على ضوء القنديل يدرِّب كل فرد من الجماعة على قطعة سلاحه وطريقة
القيام بتفكيكها ثم تركيبها والمحافظة عليها دائماً نظيفة.
كان
قد انتهى من الليل ثلثه، حينما عاد الرجال كلٌّ إلى بيته حاملاً سلاحه وذخيرته،
كذلك عاد أبو وليد إلى بيته في المدينة وهو يحمل سلاحه, بندقيةً مصنوعةً في ايطاليا
وحزاماً من جلود الثيران أسود اللون, عريضاً يُتخذ كمحفظة للذخيرة, وكان قد جعل
لسلاحه وحزام الذخيرة مكاناً آمناً تحت الأرض ليخزنه فيه خوفاً من وضع أيدي
الانجليز عليه.
قررت
الجماعة أنه لا بد من الخروج للتمرين على السلاح واستعماله حتى تتأكد الجماعة من
صلاحية سلاحها، وحتى يتعلم حاملوه استعماله استعمالاً صحيحاً، وقد قررت الجماعة أن
يتم ذلك في مكانٍ بعيدٍ عن الغار, يجرى فيها التمرين لمرة واحدة فقط، حتى لا يسبب
خطراً عليهم. وجاء هذا اليوم حين نادى أفراد الجماعة بعضهم ليخرجوا في ليلةٍ
اختاروها تحت ضوء القمر، ذاهبين إلى قاعة منخفضة تحيط بها تلالٌ عالية. تطوع منهم
رجلان للوقوف على رأس تلةٍ يراقبون المنطقة من حولهم، أما بقية أفراد الجماعة
فقاموا يمارسون التدريب الذي كان ناجحاً ومفيداً، حيث نجح الجميع منهم في فك وتركيب
قطع سلاحه بسرعةٍ كبيرة، ثم أطلق كلٌّ منهم النار وأصاب الهدف في الليل على ضوء
القمر.
كانت
الجماعة فرحة ومبتهجة ومعنوياتها عالية، نتيجة تمرينهم هذا الذي كان ناجحاً في
مكانه وزمانه وتنفيذه. وبعد هذا التمرين المبارك الناجح انسحب أفراد الجماعة الذين
توجهوا إلى غارهم ليعقدوا هناك اجتماعهم، هدفهم فيه تقييم عملية تدريبهم الأول
ومناقشة أمورهم التي تتعلق بالوضع.
وقد
أرسلت الجماعة في المقدمة رجلين منهم لفحص الغار والمنطقة من حوله للتأكد من عدم
وجود أي خطر هناك. وحين وصل الرجال أخذ كل منهم مكانه في دائرة، بعد أن أشعل أحدهم
القنديل لينير القاعة في الغار، وكان محدثهم أبو السعيد الذي كال لهم المديح فرداً
فرداً لما صنعوه الليلة حيث أصاب كل واحد منهم الهدف الذي أطلق عليه، وكذلك شكر
كثيراً عبد الله الذي نقل كل معرفته إلى إخوته أفراد الجماعة وعلًَّم القوم فن فك
وتركيب وصيانة سلاحه والحفاظ عليه.
يتبع.. |