|
ابن القرية (22)
قصة متسلسلة/ بقلم: نوري العقبي

كانت جماعة أبو السعيد أقوى الجماعات المسلحة، وربما أفضلها
تنظيماً وتدريباً في المنطقة بكاملها، أو هكذا تشعر، حتى أنها كانت تؤمن بأن
قدراتها تكفي لدحر أي مجموعةٍ تابعةٍ لتلك الأقوام التي تشكّل خطراً كبيراً
وشديداً على الوطن، ومستقبل سكّانه.
وبالرغم من قلة هذه الجماعات الوطنية المسلحة، فإنها بقيت
مبعثرةً وليست لها قيادة واحدة فاعلة بالمفهوم الصحيح، وذلك بسبب الحكم
الإنجليزي الاستعماري الذي كان منحازاً كل الانحياز إلى الجانب الآخر، وهو
جانبِ الأقوام القادمة من أنحاء العالم؛ هذا الاستعمار الذي كان يمنع المواطنين
أهل البلاد من التطور الطبيعي ويحرمهم من حمل السلاح للدفاع عن أنفسهم وعن
وطنهم، وذلك بواسطة قوانين وضعها ليقيّد بها الأفراد والمؤسسات الوطنية ويمنعهم
من التسلّح العلني وإجراء التمارين عليها والمقاومة.
كان هذا كله في ظل اقتصادٍ رديءٍ جداً، بل يكاد يكون ميتاً،
والناس معظمهم جياع، وهم الذين يعيشون على أقدس بقعةٍ وسطَ شعوبٍ وأنظمةٍ
ينتمون إليها ديناً وقوميةً، لكنهم لا يكترثون ولا يحركون ساكناً للدفاع عن
وطنٍ لشعبٍ يعيش تحت حكمٍ استعماريٍ جائر، في حين تتمتع الأقوام الغازية للبلاد
بكل دعمٍ تطلبه، الأمر الذي يجعلها متعاضدةً متراصةً وتشكّل خطراً حقيقياً على
الوطن، إن كان ذلك في امتلاك الأرض بالشراء بواسطة السماسرة، أو باستعمال القوة
التي أصبحت لديها مؤكَّدةً تضربُ بها المواطنين العزّل بين حينٍ وآخر.
غشا الليل المنطقة، وألبس ظلامه سهول البلاد وتلالها وجبالها،
وحتى طرقاتها، وخرجت الوحوش من ذئابٍ وثعالب وجوارح من طيور الليل، كل يبحث عن
فريسته الأضعف ليسدّ بها رمقه. حينها خرجت القوافل الآلية من مخابئها تحمل
مجموعاتٍ من الأقوام رجالاً ونساءً وأطفالاً قليلين، انتشرت على التلال لتضرب
أطنابها في الأرض، وكانت هذه حركة غريبةٌ غير متوقعة، ظنها المواطنون جحافل
الإنجليز تستعد للقيام بعمليةٍ حربيةٍ أو مناورةٍ سرية، وهم لا يعرفون حتى تلك
الليلة سر البلية وما الذي ينتظر الوطن والقرية.
وحين انقشع الليل وبان الفجر، ثم جاء النهار، تبين للناس كبر
الكارثة التي أصبحت حقيقةً واقعة، حيث أقيمت على التلال أبراجٌ عالية يراقبُ من
فيها القريبَ والبعيد، ويحمي بيوتاً أقيمت على عجلٍ، تحيط بها أسلاكٌ شائكة،
يسكنها رجالٌ ونساء من الأقوام الوافدة، وجميعهم يحملون في أيديهم وسائل القتل
والقتال، جاءوا بها من الغرب ومن الشرق علماً وعدةً، تعلموا وتدربوا هنا وهناك
وعرفوا فن القتال.
أدرك الناس جميعاً أنهم أصبحوا في خطر، البيت والقرية والأرض
والشجر، حتى الشيخ والمرأة والطفل والذكر. نعم.. القرية في خطر!.
إنتشرت مستوطنات الأقوام بين عشيةٍ وضحاها في طول الأرض
وعرضها، يطوّق حدودها من الخارج ويحميها عساكر الإنجليز، أما داخلها فيحميها من
فيها من رجالٍ ونساء من الأقوام المدججين بالسلاح، برنامجٌ متكامل صودق عليه
واتُّفق بين السماسرة باعة الأراضي وبين زعماء الأقوام والإنجليز.
أمرٌ عسيرٌ يحول دون مواجهة وقلع هذه المستوطنات، التي أصبحت
قائمةً على التلال وتهدد أهالي القرية والمدينة والناس في الحقل والسهل.
شاعت أخبار ظهور المستوطنات في البلاد هذا الصباح، حيث وصلت
إلى مسامع رجال جماعة "أبو السعيد"، التي تنادى أفرادها للاجتماع الفوري للبحث
والتشاور في أمر المستوطنات التي احتلت التلال ليلاً، وأصبحت وكأنها ثكنات
عسكرية معادية احتلت البلاد.
وما أن حلّ المساء حتى بدأ الرجال يصلون إلى غارهم ليعقدوا
اجتماعهم، ربما المصيريّ، قبل حدوث النكبة. وحين اكتمل الحضور كانت علامات
الغضب ظاهرةً على وجوه الرجال، الذين أصبحوا في حيرةٍ وارتباك إزاء معالجة أمر
إقامة مستوطناتٍ كثيرة في ليلةٍ واحدة، محميةٍ بقواتٍ مسلحةٍ كثيرة، من خارجها
ومن داخلها، ويصعب على الرجال قتالها وجهاً لوجه والانتصار عليها وتدميرها،
ولكن لا بد من التخطيط وفحص سبل مقاومة هذه البؤر الاستيطانية ومن وراءها وسكان
سبباً في إقامتها من السماسرة الذين احتالوا على المزارعين أصحاب الأرض،
مستغلين الفقر والعازة لدى هؤلاء البسطاء من الناس، الذين لا يعرفون مدى
خسارتهم في أرضهم التي ربما ستسبب ضياع الوطن ومستقبل شعبٍ بكامله.
وقف أبو السعيد وهو يضع كلتا يديه على صدره، حيث كانت يده
اليمنى مبسوطةً على قلبه، وقال: أيها الاخوة، أظن أننا أصبحنا الآن أمام خطر
داهمٍ شديد، ولكن لا بأس، يجب علينا مقاومة السماسرة باعة الأرض، هؤلاء الذين
جلبوا لنا البلاء هذا، وأيضاً مقاومة بقاء هذه المستوطنات التي تشكّل رأس حربةٍ
وجسراً للأعداء، يهددون بها بلادنا وأولادنا والوطن كله. ولهذا يجب دراسة تكوين
هذه المستوطنات على الأرض وعدد سكانها ونوعية سلاحهم، وقدراتهم وتحركاتهم، كما
يجب علينا التعاون والتنسيق التام مع بقية الجماعات المتواجدة في البلاد، التي
تتفق معنا على طريق الكفاح والنضال لحماية الوطن الغالي.
كما اقترح أبو السعيد أن تتوزع الجماعة لمجموعاتٍ صغيرة حتى
تقوم بفعاليات محددة ومفيدة في سبيل مقاومة هذا الخطر الجديد في المنطقة، عند
ظهور المستوطنات التي هي بالتأكيد معادية. كان ردّ عبد الله فورياً، حيث تطوع
ليكون على رأس مجموعةٍ تهاجم المستوطنات بعد التخطيط لذلك، أما أبو الوليد
فتطوع لملاحقة السماسرة الذين جلبوا الخطر والعار على الوطن. كما تعهد أبو
السعيد بجمع المعلومات حول المستوطنات وعدد سكانها وقوتِّهم المحارِبة.
يتبع..
|