العدد  457     الثلاثاء 14/8/2007    1  شعبان 1428 هـ

"البادية اليوم".. باكورة الصحافة البدوية

(تنشر أخبار النقب بتصرّف، هذا التقرير للزميل خالد بكر الذي نُشر مؤخراً على موقع "إسلام أونلاين"، حول صحيفة جديدة بدأ بدو سيناء بإصدارها في الأشهر الأخيرة. ينشر التقرير بإذن من الزميل خالد بكر).

 

  البدو منتشرون بطول وعرض الصحاري العربية.. عمرهم من عمر جبالها ووديانها.. صبرهم على الحياة فيها من صبر جِمالها.. بداوة حياتهم بنفس قدر نتوءات كثبانها.. ورغم تباعد المسافات فيما بينهم لكن قلوبهم لا تجفيها الحواجز أو طول السفر.

  حكايات البدو هي حكاية التفتيت الاستعماري للعالم العربي الذي شطر القبيلة إلى شطرين وأكثر؛ فتجد جزءاً منها في سيناء والثاني في غزة والثالث في وادي عربة (الأردن)، بالإضافة إلى أن أصل القبيلة في الجزيرة العربية.. وبحكم طبيعتهم التي لا تقبل الخضوع لأي سلطة تراهم في خلافات دائمة مع الحكومات المركزية في بلدانهم، وإن كانوا على الدوام حراس الحدود عبر صحاريها.

  حالة العزلة التي فرضتها على تنقلاتهم الحدودُ الدولية جعلتهم يتوقون للوصل والتواصل فيما بينهم في مختلف البلدان التي يتواجدون فيها، ومن هذا الرحم وُلدت جريدة "البادية اليوم" التي اتخذت عبارة "صوت القبائل من المحيط إلى الخليج" شعاراً لها؛ لتكون لسان حال البدو في كل الصحاري العربية، وهي تصدر شهرياً في مصر وتوزع في كل البلدان العربية.

البادية اليوم

عبد الله الجعيل رئيس مجلس إدارة "البادية اليوم" حدد الهدف من إصدارها بقوله: "عملنا من خلال (البادية اليوم) على أن تكون للبدو وسيلة إعلامية تعبر عنهم.. عن ثقافتهم وهويتهم وعاداتهم وتقاليدهم في مختلف البوادي العربية".

  ويتابع الجعيل الذي ينتمي لعائلة بدوية في سيناء المصرية: "بعد الانفجار الخطير الذي أحدثته ثورة المعلومات وتكنولوجيا الاتصالات، والعولمة بخطورتها المؤكدة على الهويات كان تفكيرنا حثيثاً في إنشاء جريدة تكون لسان حال البدو في البلدان العربية؛ لتُسهم في الحفاظ على التراث البدوي من الذوبان والضياع، سواءً على صعيد الفنون والآداب أو العادات والتقاليد".

محمد أبو عيطه ينظر إلى صورته بالزي البدوي

  أما محمد أبو عيطة المدير العام لـ "البادية اليوم" فيلفت النظر إلى هدف آخر وراء إصدارها: "توثيق عرى التواصل بين القبائل العربية المنتشرة في ربوع الصحراء العربية كان هدفاً أصيلاً من إنشاء الجريدة، فضلاً عن أننا حاولنا عبر هذه المطبوعة أن نعرِّف رفقاءنا في الأوطان العربية من غير البدو بعضاً عن العادات والتقاليد البدوية، وكيف يفكر البدوي وكيف يعيش؛ فمثل هذه الأمور في حال معرفتها تساعد الآخرين على التواصل معنا".

 

مضمون متميز

  عند قراءتك لأعداد الجريدة الثلاثة التي صدرت إلى الآن تجد أهداف الجريدة محقَّقةً فيها بنسبة لا بأس بها، فإذا طالعت العدد الثاني (مايو 2007) فستجد فيه موضوعات متنوعة تعريفية بالحياة البدوية، وعاداتها وتقاليدها كما في "القضاء العرفي"، وباباً مخصصاً للحديث عن نسب القبائل من خلال "نسابة" من أهل الخبرة، يوضح فروع القبائل الممتدة عبر أكثر من بلد عربي، وموضوعات منوعة أخرى كما في "لماذا هجر الشباب البدوي زيه التقليدي؟". وظاهرة "ارتفاع المهور" في المجتمع البدوي.

  المحور الأكثر أهمية من موضوعات هذا العدد من "البادية اليوم" كان مرتبطاً بإثبات الهوية الوطنية للبدو، وبخاصة بدو سيناء بعد موجة التشكيك التي نالت وطنيتهم من قبل قلة من الكتاب الذين يجهلون طبيعة بدو سيناء، وإن كانت هناك استثناءات فليس من الصحيح القياس عليها.

  تزايدت هذه الكتابات بعد احتجاج البدو على التعامل الأمني العنيف مع بعضهم، بعد تفجيرات متعددة طالت مناطق سياحية بسيناء، وتورط فيها بعض أبناء البدو، فجاءت الموضوعات التي تذكر بدور البدو في مقاومة الاحتلال الإسرائيلي لسيناء، وكيف كانوا عيوناً للقوات المسلحة المصرية على العدو، وكيف كانوا فاعلين في الأعمال الفدائية ضد الجيش الإسرائيلي، ولم يفتهم في هذا الصدد نشر مقال للأستاذ فهمي هويدي نشره بالأهرام يوم 8 مايو 2007 عنوانه "إنصافا لبوابة مصر الكبرى" كان يدافع فيه عن وطنية البدو.

  عند تصفحك العدد الثالث من "البادية اليوم" تلحظ تقدماً ملموساً في الصنعة الصحفية لمحرريه، فستجد الموضوعات ابتعدت قليلاً عن "الأرشيفيات" لتتوجه مباشرةً إلى التحقيقات الميدانية المزودة بصور حية ورائعة عن بعض المناطق البدوية في منطقة "الوادي الجديد" بمصر، وبمنطقة "تدمر" بسوريا، فضلاً عن موضوعات متميزة عن الجمال والخيل التي تعتبر من أساسيات الحياة في الصحراء بالنسبة إلى البدوي.

التراث الغنائي البدوي

  من أهم نقاط القوة في "البادية اليوم" حرصها على التذكير بالتراث الغنائي البدوي، من خلال المطربين المشهورين فيه، والذين تجاوزوا به في فترة من الفترات حيز البادية إلى النخب الفكرية والقواعد الشعبية في كل البلدان العربية؛ فكان المحرر الفني موفقا عندما حاور -في العدد الثاني- المطرب البدوي العراقي سعدون جابر الذي لا يوجد بدوي لا يحفظ أغنياته الشهيرة كما في (صغيرون - آه يا ليلة يا يمة - يا نجوى - يالعزيز... إلخ).

  وفي العدد الثالث واصلت الجريدة الحديث مع مشاهير الأغنية البدوية، وكان الحوار مع الأردنية سميرة توفيق صاحبة لقب "سفيرة الأغنية البدوية" التي تعتبر واحدة من نجوم الغناء العربي كله في الستينيات والسبعينيات، فما أزال أذكر ترديد البنات وهن يجنين القطن في صعيد مصر أغنيتها الشهيرة (إحنا بنات القوم.. الحشمة شيمتنا.. جيرتنا طيب ودوم.. يا عز قبيلتنا.. شفنا حبايبنا.. واللي بخاطرنا.. وإحنا الحبايب.. حبايب.. وإحنا القرايب.. قرايب.. ما نبيع صاحبنا مهما يغيب ويروح.. وإن ما سأل عنا.. تسأل عليه الروح..". اللهجة البدوية لمن يتذوقها قمة في العذوبة.. غنية بمفرداتها التي ربما تعجز أي لهجة محلية أخرى عن مجاراتها في هذا الغنى، والذي ينم عن حس راق للناطقين بها.

المشكلة البدوية

  ولكن ما أسباب "المشكلة البدوية" في بعض المجتمعات العربية الآن؟ حيث إن علاقة البدوي مع الدولة المركزية في أي بلد يعيش فيه تمثل جدلية كبرى.. لوغاريتما يستعصي أحياناً على الحل منذ عصور الفراعنة الأوائل كما في الحالة المصرية؛ فالسيطرة على بدو سيناء، وفق أي حكومة مركزية مصرية تعني المزيد من القوة والسيطرة على وادي النيل، ولا غرابة في ذلك إذا عرفنا أن خط الدفاع الأول عن وادي النيل من ناحية الشرق يبدأ بالحدود الدولية لسيناء، ولا نبالغ إذا اعتبرناه من سوريا كما رآه محمد علي باشا.

  وفق هذه المعطيات فعند دخولك المتحف المصري تهالك لوحتان للملك الفرعوني سنفرو، إحداهما تمثله وهو يمسك بعصا يضرب بها بدوياً‏، وقد كتب حولها بالهيروغليفية‏: ‏"سنفرو الإله العظيم وفاتح البلدان وواهب القوة والثبات والصحة والحياة وراحة البال إلى الأبد".‏

سنفرو يضرب بدوياً

  أما اللوحة الثانية فيظهر فيها سنفرو مرتدياً تاج مصر العليا‏،‏ وتاج مصر السفلى وهو يضرب بدوياً‏، وهاتان اللوحتان تحملان رقم 111 و112 بالمتحف المصري بالقاهرة‏ الآن.‏ وتشيران إلى تعرض البدو منذ عصور باكرة من التاريخ، إلى قمع الحكومة المركزية في التعامل معهم، وتمثل في ذات الوقت عقدة نفسية كبيرة في نفسية البدوي المرابط على بوابة مصر الشرقية، لا يزال صداها حيا وحاضرا إلى اليوم.

سيكولوجية البدوي

  البعض يعتبر الأدب والصحافة وثائق ثانوية للتاريخ، لكني أعتبرهما خريطة "الجينوم البشري للشعوب".. فإذا أردت أن تعرف السمات النفسية والاجتماعية لأي شعب فعليك بقراءة أدبه، ومطالعة صحفه، فعلى سبيل المثال إذا أردت التعرف على عادات أهل النوبة في مصر وسماتهم فلتقرأ على الفور رائعة "إدريس علي" رواية "النوبي"، وإذا أردت أن تتعرف على أدق تفاصيل الحياة في وسط الصعيد فعليك بقراءة رواية "التاريخ السري لنعمان عبد الحافظ" لـ "محمد مستجاب"، وإذا أردت التعرف على أسرار الحارة المصرية فاقرأ فوراً مجمل أعمال نجيب محفوظ.

  من هذا المنطلق بحثت عن "الكروموسومات" النفسية للبدو في أدبهم، بحثت فوقعت يداي على رواية حديثة لروائي بدوي سيناوي اسمه "مسعد أبو فجر" تحت عنوان "طلعة البدن" وهي عمله البكر.

  لخص أبو فجر السيكولوجية البدوية، مقارنةً بسيكولوجية بقية سكان مصر في ص 79، 80 بقوله: "لا بد من الإشارة إلى تلك المنطقة التي يتقاطع عندها البدوي والفلاح (المصريان).. الأول يختار قمة كثيب، ويقيم فوقها خيمته، ويعلق عليها الراية البيضاء، ثم يشعل النار أمام الخيمة، بينما يأتي الفلاح جوار جدول ويقيم عشته (كوخه)، وعلى حافة الجدول يشرع في إنبات حياته (جرجير.. بقدونس.. كزبرة).

  الأول (البدوي) مستعد لتقديم حياته ثمنا لحريته، والثاني (الفلاح) مستعد لتقديم حريته ثمناً لحياته. ومن هذه المنطقة بالضبط يتم اصطياد الثاني.. كيف؟ يتوالى الجباة، وتتصاعد الضرائب، والفلاح يقابل هذا التصاعد بقدرة عجيبة على الصبر، و(الانحناء) ما دامت الجباية أقل أو تساوي ما تنتجه الحياة (الأرض)، إلى أن يأتي جابٍ غبي، وتصير الجباية أكبر من الإنتاج، حينها يشعر الفلاح أن الخطر يطال الحياة نفسها، عند هذه اللحظة بالضبط تشتعل جهنم".

   إطبع                                         أرسل إلى صديق

العودة إلى صفحة العناوين

 

مطلوب

مجلس حورة المحلي

 

 

 

 | أضفنا للمفضلة|    |  اجعلنا صفحة البداية |     | أسئلة وأجوبة |   | أحصل على الصحيفة عبر البريد | 

| مقاييس فنية |    | نماذج ضريبية |  

جميع الحقوق محفوظة لصحيفة أخبار النقب ©1988-2007