|
إلى متى يبقى صراع المواطنين العرب على الأرض دون جدوى وهم
بالأصل أصحاب الحق المشروع؟.. بقلم: نوري العقبي
في عام 1948 حلت النكبة على العرب الفلسطينيين، وتم الاستيلاء
على أرضهم التي عاشوا عليها منذ قديم الزمان، أجيالاً بعد أجيال، عبر التاريخ
وحتى عام النكبة. وتشرَّد الشعب الفلسطيني من وطنه التاريخي وتشتت في أنحاء
المعمورة.
لكن هذا ليس موضوعنا اليوم، وإنما موضوعنا شأنه قضية أملاك
المواطنين العرب في الجنوب ومستقبلهم، وهم الذين ينتمون إلى أقلية قومية مهضومة
الحقوق، عانت وتعاني من سلب الحقوق والممتلكات من قبل السلطات الإسرائيلية،
التي تلاحق مواطنيها العرب وتطبق ضدهم أبشع أنواع الظلم والعنصرية وليس هناك من
معين!.
وقد عملت حكومات إسرائيل منذ إقامتها وما زالت تعمل وتخطط في
سبيل تنفيذ السياسة الهادفة إلى ابتلاع البقية الباقية من الأرض التابعة
للمواطنين العرب المسالمين العزّل، الذين قبلوا المواطنة والعيش تحت حكم
إسرائيل لغرض البقاء على أرضهم والحفاظ على ممتلكاتهم، لكن هذه لم تحترم حقوق
مواطنيها العرب وأباحت لنفسها الاعتداء المقصود والمستمر على الممتلكات كافة،
حتى الأوقاف الإسلامية والمقدسات لم تنجُ من النهب والتخريب والتدنيس.
وللأسباب المذكورة أعلاه، ولغيرها، فإني أرى أنه لا بد من
مقارعة السلطات ومجابهتها إن كان ذلك أمام القضاء أو أمام المحافل الرسمية
والشعبية والعالمية، ونحن نعلم جيداً أن ميزان الحق والعدل سيُترك جانباً حين
يكون الحديث حول الأرض والعرب في إسرائيل، بل إن ميزان القوة والعنصرية والخداع
سيحل مكانه، ولذلك فإنّ قضايا الأرض لدى "العدل" في إسرائيل لن تكون في صالحنا،
لأننا نعلم أن القوانين الإسرائيلية التي تتعلق بالملكية على الأرض ليست عادلة،
وإنما تفسر القوانين العثمانية والبريطانية تفسيراً مشوهاً، وتجيّرها كيفما
تشاء، لتكون في كفة الميزان الحكومي الذي يريد حرماننا إلى الأبد من ممتلكاتنا،
وهذا الأمر معادٍ للحق والإنسان وللعدل الطبيعي وإن لم ينجح. لذا فإنّ واجبنا
يدفعنا ويحتم علينا مواجهة السلطات وقوانينها التعسفية الظالمة العنصرية، ولا
يجوز الهروب من ساحة النضال مهما كانت النتيجة، لكن بعد القيام بالواجبات
والاحتياطات كافة، بما في ذلك مواجهة السلطات بالحجة القوية الصادقة الداعمة
للحق والحقيقة أمام القضاء، حتى لو كان هذا لا ينصفنا ولا يصغي لنداءاتنا
ولنداء الضمير والحق والعدل والأخلاق، وذلك أفضل بكثير من السكوت كالخراف التي
تُقاد للمسلخ والذبح بدون احتجاج، أو أن ندير ظهورنا ونتركهم يُصدرون القرارات
ضدنا، ويصفوننا فيها بأننا قد أهملنا قضيتنا، ولذا من حقهم نقل الملكية على
أرضنا إلى اسم دولة إسرائيل، بدون وجه حق، وبهذا يُعطى الصبغة القانونية، رغم
أن الصحيح يجب أن يكون غير ذلك.
وهناك حالات وأمثلة كثيرة استطاعت السلطات فيها نقل الملكية
على أراضٍ تابعة لمواطنيها العرب في الأصل إلى اسم الدولة، خلال العامين
الأخيرين، وذلك بحجة إهمال صاحب القضية لقضيته وعدم الحضور لدى موظف التسوية في
مكاتب وزارة القضاء، حين دُعي مقدم الدعوى بحق الملكية رسمياً لكنه لم يحضر
وترك المجال أمام ممثل الحكومة التي قدمت ادعاءً مضاداً لدعواه بحق الملكية،
ولذلك اضطر موظف أو مأمور التسوية لنقل القضية حسب القانون إلى المحكمة
المركزية، التي تحكم في حال غياب صاحب الشأن لصالح الطرف الآخر، وممثل الحكومة
يتواجد دائماً والمواطن صاحب الحق يتغيّب، فتقوم المحكمة بتسجيل الأرض على اسم
الدولة بعد مرور 30 يوم من صدور الحكم إن لم يتم الاعتراض عليه.
وهنا نريد التنويه إلى أن المواطنين العرب في الجنوب تقدموا
بدعاويهم بحق الملكية لدى موظف التسوية في مكتب وزارة القضاء منذ عشرات السنين،
وقد أهملتهم دائرة تسوية الأراضي عمداً بهدف الضغط عليهم ليتخلوا عن ملكيتهم
لأراضيهم مقابل شروط رفضتها الجماهير ولم يقبلها المواطنون، وهي شروط اقترحتها
الحكومة عام 1976، بالإضافة لسياسة السلطات التي تعمدت تضييع الوقت حتى وفاة
الآباء الذين تقدموا بدعواهم، ووفاة الشهود أيضاً، حينها ربما يسهل الأمر على
السلطات تخليص حقوق الملكية على الأرض من أصحابها الشرعيين مقابل تعويضاتٍ
مرفوضة، تحت التهديد والتخويف بالخسارة التامة إذا ما تمسك المواطن بحقّه. وهذا
يثبت نوايا السلطات ومحاولاتها في انتزاع ملكية المواطنين العرب على الأرض
بالأساليب غير الأخلاقية التي يجب رفضها من الأساس. ومن الغريب أن الدولة تخصص
في سبيل انتزاع ملكية المواطنين العرب أموالاً طائلة وتجند الخبراء والمختصين
ليقدموا شهاداتهم المغرضة المطلوبة.
شهادة الخبيرة
في إحدى القضايا التي تابعتُها في المحاكم، قدّمت الدولة
شهادة خبيرة، هي البروفيسور روت قراق، التي شوّهت فيها الحقائق، وهي شهادة
تساعد السلطات في موقفها المتنكر لحقوق المواطنين العرب في أراضيهم وجعلها
سابقةً لقضايا في المستقبل، مثلما أرادوا جعل قضية لأحد أبناء الهواشله سابقةً
بدعوى أن أراضي العرب البدو أراضٍ موات، وهذا غير صحيح.
وتلخص روت قرق شهادتها بوصف المواطنين العرب البدو بأنهم
عاشوا على النهب والسلب والرعي خلال ترحالهم الدائم. وهي لم تتوخ الصدق ولم
تراع مشاعر المواطنين العرب في النقب وعاداتهم وقوانين باديتهم العادلة الصارمة
المرعيّة لدى هذا المجتمع خلال قرون طويلة. وإننا هنا نرد على هذه الشهادة
بالقول إن العرب البدو في النقب هم فقط وليس غيرهم أهل الأرض منذ قرون عديدة،
وإن الحكم العثماني الذي حكم بلادنا أكثر من 400 عام لم يفكر أبداً في أن
يحرمنا من وطننا وأرضنا وحقوقنا في الحياة، ولم يعتد علينا ولا على ممتلكاتنا
قَطعاً. وحين أراد بناء مدينة بئر السبع قبل أكثر من 100 عام اشترى أرضها من
الشيخ حسن الملطعة (العزازمه). كما أن حكم الانتداب البريطاني لم يتعرض
لملكيتنا على أراضينا، وكان همّ النظامين الطاعة، وجباية الضرائب من البدو على
المحاصيل الزراعية والثروة الحيوانية.
وقد أصدر عارف العارف كتبه في بداية الثلاثينيات من القرن
الماضي، وأخص بالذكر منها كتاب تاريخ بئر السبع وقبائلها، والقضاء بين البدو،
التي دوّن فيها علاقة المواطنين العرب البدو بأراضيهم في قضاء بئر السبع، ويذكر
فيها كيف أن البدوي يعرف حدود أرضه وأنها ملكه لا ينازعه فيها منازع. كما أرفق
بكتابه خريطة رسم عليها مواقع العشائر والقبائل أهل النقب منذ قديم الزمان. كما
أن الانتداب البريطاني اعترف بحقوق الملكية ولم يتعرض لها بسوء، كما قام
بالتصوير الجوي في بداية الثلاثينيات ورسم خرائط حدّد عليها مواقع العشائر
والقبائل، ووصف أراضيهم بالمستغلة زراعياً، وهو ما تبينه الصور الجوية والخرائط
والوثائق. أما المؤسسات اليهودية شبه الرسمية فقد اشترت بعض الأراضي من أصحابها
العرب البدو، وكان هذا في نهاية الحكم العثماني وبداية الحكم البريطاني، ونقلت
هذه الأراضي لدى مسجل الأرض باسم شاريها. وهكذا تم تسجيل الأرض التي اشترتها
تلك المؤسسات رسمياً، الأمر الذي مكّنها من إقامة المستوطنات عليها عام 1946.
وقد أصدر الباحثُ اليهوديّ يوسف بارسلفسكي كتابه "أرض النقب"
الذي تطرّق فيه للسكان العرب البدو ووجودهم على أراضيهم، وارتباطهم بها، ورسم
خارطةً أرفقها لكتابه وضع عليها مواقع العشائر العربية والقبائل في النقب، كما
وضع عليها المستوطنات التي أقيمت عام 1946.
خلاصة الأمر أن حكومة إسرائيل تعمل جاهدةً وبكل الوسائل غير
القانونية وغير الأخلاقية في سبيل انتزاع ملكيتنا ونهب أراضينا وحشرنا على أقل
رقعة من الأرض، متجاهلةً كل المواثيق والتعهدات التي قطعها وتعهد بها ممثلو
دولة إسرائيل في بداية إقامتها، حين التقوا ممثلين عن العرب البدو الذين أعلنوا
قبولهم العيش تحت حكم إسرائيل. ولذلك علينا التشديد في التعاون، ودعم بعضنا في
سبيل إحقاق الحق.
|