|
ابن القرية (23)..
قصة متسلسلة/ بقلم: نوري العقبي

ذهب جزءٌ من الليل، نصفه أو يزيد، وطلع البدر من جديد، وغادر
الرجال غارهم الحصين الأكيد، وتفرقت الجماعة للتو والساعة، كلٌّ في سبيله، إلى
بيته وأهله، وهم الذين في أشد الشوق والحنين ينتظرون.
كان أبو وليد يرى في مرآة مخيلته زملاءه عظماء الرجال
الأشداء، وقبله ينبض حبّاً واعتزازاً للاخوة والمصير، تحسباً للغد السعيد أو
ربما الحزين. ولما وصل إلى بيته في المدينة كانت زوجته تقف إلى الباب، في
انتظار، وقلبها يدق دقات شوقٍ حارّ، في حيرة وخوف. رحبت به كثيراً وعانقته
طويلاً، ثم أجلسته إلى طعامه فأكل وشرب، وحمد ربه، وشكر زوجته على إكرامه، وبعد
ذلك حدّث أهله عن أعماله وأسراره وقال: لي وظيفةٌ مختارة، سألاحق الخونة
السماسرة باعة الأرض، باعة الوطن، في كل زقاقٍ وحارة، لن نتركهم يعيثون في
الأرض فساداً وخراباً وخسارة، سنتعقّبهم أينما راحوا وجاءوا، سأقاتلهم بنار
بندقيتي، بخنجري وحتى بفاسي، فقد نويت على هذا، فحذار من غضبي وثأري حذاري. يا
أم وليد، غداً أنا ذاهبٌ إلى بعيد، ولا أدري إلى متى سأغيب.
إستيقظ وليد صباح نهارٍ جديد ليستعدّ للذهاب إلى مدرسته، بعد
أن زودته أمه بالماء والطعام وقليلٍ من الزبيب، لكنه قبل خروجه إلى المدرسة دخل
غرفة أبيه ليودعه وداع الابن المحبّ المطيع، ويدعو له بالسلامة من أعماقه وكل
التوفيق فيما يبغي ويريد.
ألقى أبو وليد نظرةً طويلةً وهو يحدّق في وجه ابنه الطفل
الحبيب العنيد، يتفحصه ويقيس قوامه، شكلاً وطولاً وعرضاً، وهو يقف أمامه
كالمارد الصغير، ثم وثب أبو وليد من فراشه على قدميه وجلس القرفصاء وهو يفتح
ذراعيه صائحاً: تقدّم يا وليد.. أسرِع، ثم ضم ابنه إلى صدره بكل حنانٍ، وعانقه
عناقاً طويلاً لم يسبق له مثيل، وقال له: إذهب يا بني إلى مدرستك يحميك الله
ويرعاك، لا يعترضك سوءٌ ولا تراه.
لبس أبو وليد هندامه، ووضع على رأسه عمامته البيضاء كالثلج،
وعقاله الأسود، وعباءته السوداء كسواد الليل لا نجوم ولا قمر فيه، هذه العباءة
التي يحجب أبو وليدٍ بها الأنظار ويستر بندقيته وحزام ذخيرته، وقد تدلت
البندقية على ظهره من بين أكتافه حتى وصلت فوهتها فوق ركبته بقليل. رافقته أم
وليد حتى عتبة الدار وودعته وداعاً حاراً، ثم أسرع أبو وليد ليلتقي مجموعته في
الغار حيث هناك يقرر أفرادها إلى أين سيخرجون للسعي في ملاحقة الخونة السماسرة
الأشرار، اللعنة عليهم والنقمة والعار.
وصل أفراد المجموعة إلى الغار بالخير والسلامة، وشمس ذاك
النهار ما زالت عالية من فوقهم. وبعد أن تبادل الرجال التحيات جلسوا للراحة
قليلاً تحت الأرض في بطن الغار، حيث كانت البرودة تسري في العروق، فتهدأ لها
النفوس الثائرة حين ينبعث النسيم ويهبّ في موجاتٍ لطيفةٍ متلاحقةٍ تحمل معها
أزكى روائح مما يخرج من الأرض الطيبة من النبات في سفوح الجبل، هذا الذي ينشر
ظلاله كل ساعات الصباح حتى الظهر، ثم من العصر حتى بقية النهار على الأرض بقعة
الغار ليبقى بارداً أيام الصيف الحارة ودافئاً في الشتاء القارص.
تبادل الرجال الرأي فيما بينهم حول عملهم، حيث اتفقوا على
رأيٍ وطريقة ورسموا خطةً وخريطةً، وحددوا مساراً يجعلهم يمسكون بسمسارٍ ويأتون
به إلى الغار حيث يلقى عقابه على ما فعل من جسيم الأضرار، حيث لن يرحمه الرجال
الأبرار الأحرار. وبعد أن انتهى الرجال من الحديث والنقاش، وتأكد العقاب
بالقرار الحكيم، جلس الرجال لطعامهم الذي كان خبزاً غمسوه بزيت الزيتون والزعتر
وحبّاتٍ قليلةٍ من التمر، ثم أقاموا صلاة المغرب جماعةً وانطلقوا بعد ذلك سويةً
نحو المنطقة الغربية ليمسكوا بالسمسار المعروف "جاحد الحية"، هذا الغدار الذي
ينقل للأقوام أرضاً يعتاش منها الناس مقابل مال من ورقٍ، وكان جاحد الحية
اللعين يسكن قصراً عظيماً شيّده من مال الأقوام الذي قبضه مكافأةً له على شراء
أرض لهم، أقاموا عليها مستوطناتهم بالأمس.
كانت مجموعة أبو وليد أربعةً من الرجال، اقتربت من قصر جاحد
الحية حين صلاة العشاء، وكانت الخطة غير معقدة، يتقدم بموجبها أبو وليد إلى
القصر متظاهراً أنه يريد بيع أرض، وقبل دخولهم في الحديث تلحق به بقية
المجموعة، وكأنه لا علاقة بينهم، وبعد شرب القهوة يطلب أبو وليد الخروج
بالسمسار وكأنه يريد عقد صفقة بيع أرض. هكذا حدث، واقتنع السمسار، وحين خرج أبو
وليد مع جاحد الحية وهو مطمئن داهمه الرجال بحزمٍ وشجاعة، وأقنعوه إما الموت أو
مرافقتهم دون امتناعٍ، وهكذا اقتادته الجماعة دون أن يسمع أهله والجيران ما حدث
وما كان.
يتبع...
|