|
مشروع مركز التوثيق في الجنوب.. بين الواقع والطموح
بقلم: محمد يونس
عملية التوثيق وإعداد الدراسات هي الخطوة الأولى التي يقطعها
كل بلد يستحدث مناهج دراسة مشاكله الحالية، على أسس إحصائية وتحليلية. وبدون
ذلك لا يمكن إجراء حسابات صحيحة لمدى القدرات الحالية والإمكانيات المستقبلية.

مدرسة كسيفة
أبو ربيعه 1970م
والأمة التي لا توثّق تراثها تعرّضه لطيّ النسيان، فتبدُّل
الأجيال يساعد على طمس التراث ونسيانه. وإذا أضيفت لذلك عوامل خارجية تهدف لطمس
هذا التراث فإنّه يكون أكثر عرضةً للاندثار.
إن المتتبع لتاريخ عرب الجنوب في بادية بئر السبع خلال القرن
الأخير، وخلال العقود الست الأخيرة (أي منذ قيام إسرائيل)، يلاحظ التغييرات
الطبيعية والقسرية التي تعرضوا لها، والتي أثرت
كثيراً في نمط الحياة في شتى المجالات، مما جعل قضية التوثيق تأخذ بُعداً هاماً
وعاجلاً.
وفي ظل الظروف المعيشية القاسية التي يعيشها عرب الجنوب، وسكن
نصفهم في بلدان مدنيّة وبقاء نصفهم الآخر تقريباً في قراهم البسيطة غير المعترف
بها أو شبه المعترف بها،
أصبح همّ العربي في المنطقة البقاء والصراع على أرضه ومسكنه، بل الصراع من أجل
نيل الخدمات الأساسية والضرورية، ولهذا كان توثيق التراث بالنسبة للغالبية
العظمى أمراً ثانوياً لا يحتل مرتبةً متقدمةً على سلم الأولويات.
كما أن الغياب شبه التام لأبناء الجنوب العرب الذين يعملون في
مجال إعداد الدراسات عما يجري في النقب في شتى المجالات، جعل هذا المجال ساحةً
مفتوحة للآخرين لإعداد بحوثهم حول تاريخ العرب في المنطقة وحاضرهم ومستقبلهم،
وتقديم هذه الدراسات في كثيرٍ من الأحيان لواضعي القرارات في الدولة، وهو أمرٌ
قد يؤدي بالتالي إلى تقرير مصير عرب الجنوب بشكلٍ لا يرغبونه بسبب كون الدراسات
التي تم إعدادها لم تنبع من داخلهم.
ولا يمكن هنا التغاضي عن دور بعض المؤسسات الأهلية التي تضع
الخطط والدراسات المتفرقة حول مواضيع عينية محددة،
تبعاً للتمويل الذي تتلقاه هذه المؤسسات، فإنْ توقّف الدعم توقفت الدراسات!.
وهنا لا بد من الإشارة إلى أن هذه الخطط والبرامج التي أعدّتها التنظيمات
الأهلية والاجتماعية الناشطة في الجنوب، سواءً كانت محلية أو قُطرية، لا يمكن
العثور عليها مجتمعةً في مكانٍ وأرشيفٍ واحد، وهو أمرٌ كان بالإمكان لو وُجد،
أن يسهِّل على الدارسين ومتخذي القرارات بل على التنظيمات الأهلية نفسها.

صورة من الجنوب
1950
المشروع المقترح
من هنا تأتي أهمية إقامة مركزٍ للتوثيق بالدرجة الأولى،
وللدراسات بالدرجة الثانية، هدفه الأساس توثيق كل ما يتعلق بالجنوب من كتب
ومطبوعات وخوارط وخطط وبرامج وصور ومرئيات
ومسموعات، وأرشفته بطريقةٍ علميةٍ صحيحة حسب التصانيف
الدولية المتبعة في المكتبات ومراكز التوثيق.
كما أن من أهداف هذا المركز توثيق جانب التراث البدوي
والمحافظة عليه من الطمس، لا سيّما وأنه تزداد في
السنوات الأخيرة الحاجة لمعلومات ومواد عن البدو أو الفلسطينيين في الجنوب، من
قبل طلاب جامعيين، ومعلمين، وطلاب، ومؤسسات تربوية، وباحثين من البلاد والخارج.
ومن مهام المركز إعداد الدراسات في مختلف المجالات التي تهم
عرب الجنوب، وتوثيق التراث والحضارة البدوية المكتوبة والمصوّرة والمسموعة
والمرئية، وجمعها تحت سقف واحد، وأن يعمل على تصنيف وفرز المواد وتحويلها لمواد
مناسبة لاستعمال الطلاب والجهات المعنية. أما مكانه المقترح فهو في مدينة رهط
أكبر البلدان العربية في الجنوب.
من أهداف المشروع
1- توثيق
المواد المكتوبة والمسموعة والمرئية المتعلقة بالجنوب ككل، وبعرب الجنوب خاصة.
2- توثيق
التراث البدوي لدى العرب الساكنين في بادية بئر السبع.
3- تشكيل
مرجع أكاديمي، تربوي، ثقافي، تراثي للطلاب العرب في جميع مراحل التعليم،
وللطلاب الجامعيين، والباحثين والجمهور الواسع.
4- الحفاظ
على التراث البدوي ومن ضمنه العادات والتقاليد.
5- إيجاد
حلقة وصل بين الأجيال من أجل على عدم انطماس التراث.
6- توعية
العرب، وسائر الشعوب، في الداخل والخارج لقضية عرب الجنوب وقضية طمس الهوية.
7- إعداد
دراسات أكاديمية، ميدانية في شتى المجالات التي تخص عرب الجنوب وحضارتهم
وتاريخهم، وتقديمها لمتخذي القرارات.
8- توثيق
تاريخ النكبة في الجنوب، وأن يشمل ذلك كل فلسطينيي الجنوب الذين باتوا في ديار
اللجوء في الداخل أو في الدول والمناطق القريبة.

مسجد بئر السبع
الكبير عند احتلاله عام 1948
مراحل التنفيذ
تتواجد لدى القائمين على المشروع نواةٌ من كتب ووثائق وملفات
متنوعة، سيجري العمل على تصنيفها وتخزينها بالشكل العلمي. كما أنه يجري العمل
حالياً على تجنيد مركّزٍ للمشروع لديه الخلفية المناسبة، والقدرات المطلوبة من
أجل تفعيله وإخراجه إلى حيز التنفيذ، وبناء أسسه المتينة بما يضمن
استمراريته وديمومته، وباعتبار أن هذا المشروع
خيري واجتماعي لا يهدف للربح المادي.
أما المرحلة التي ستلي ذلك فستكون البدء بتجميع المواد من شتى
المواقع: فسيتم الطلب من المدارس أن تبعث بنسخٍ عن إصداراتها ومجلاتها، ومن
المؤلفين إرسال نسخٍ من كتبهم ومؤلفاتهم، ومن مكتبات الجامعات سيتم نسخ أبحاث
الطلبة الأكاديميين، وسيتم الاطلاع على المكتبات ومراكز الأرشيف من أجل البحث
عن المواد المختصة بالجنوب. ومن بين الجهود التي ستبذل في تلك المرحلة، تجميع
الروايات الشفوية من كبار السن في الجنوب وخارجه، وتدوين ما يمكن تدوينه ضمن
الإمكانيات المتاحة. وهناك بالطبع ضرورة شراء كتب ومطبوعات وصور، واستنساخ
خوارط ووثائق وأشرطة. كل ذلك بالطبع مع مراعاة
حقوق الطبع والملكية حسب القواعد المتبعة.
ومن أهم الأعمال المناطة بهذا
المركز إنشاء قاعدة بيانات أو بنك للمعلومات، يشمل معطياتٍ جغرافية وتاريخية
واقتصادية وغيرها، وأرقام هواتف ومعطيات مركّزة حول الهيئات والشخصيات في
الجنوب. كما أن المركز سيهتم بإصدار نشرات وكتب أولى من نوعها، تشمل أبحاثاً
ودراسات لم يتطرق إليها أحد من قبل. هذا إضافةً لتنظيم محاضراتٍ وندوات حول
مختلف القضايا التوثيقية في الجنوب، واستضافة
مختصين في شتى المجالات. أما عندما يبدأ المركز عمله ويفتح أبوابه للجمهور
الواسع، فمن الضروري استضافة الجيل الناشىء
وإطلاعهم على محتويات المركز وتنظيم فعالياتٍ تربوية تقرّبهم من تاريخهم العريق
ومن هويتهم الحضارية. كذلك الأمر تنظيم رحلات وجولات في ربوع الجنوب، لزيارة
القرى القائمة والمهجرة، وتعليم جيل اليوم على الأسماء التاريخية للمواقع
العربية التي تكاد تنطمس.
مقر للمركز
سيعمل المشروع في البداية في مقر مستأجر، لكن النية تتجه لأن
يستقر هذا المركز الهام في مبنىً عصريٍ مستقل، يتناسب مع طبيعته وأهدافه من
جهة، ومع طبيعة الجنوب من جهةٍ أخرى، وبحيث يضم قاعات للأرشيف وقاعات محاضرات
وغيرها من المرافق الهامة، ومن بينها جناحاً يمثل التاريخ الحديث للجنوب من
خلال معروضاتٍ مجسّمة تروي قصة الجنوب بالصوت والصورة.
الشراكة
لا شك أن مشروعاً من هذا القبيل، يحتاج إلى شراكاتٍ واسعة مع
تنظيمات وهيئات وأفراد يتماثلون مع أهداف المركز وطموحاته، وبحيث تتضافر الجهود
من أجل إخراج هذا المشروع إلى حيز التنفيذ بالسرعة الممكنة وبالصورة الراقية
المنشودة. ومن هنا، فإن المستقبل القريب سيشهد توجهاً من أجل إنشاء هذه
الشراكات وهذا التعاون، آملين أن يوفقنا الله لما فيه خير وطننا وشعبنا وأمتنا.
|