العدد  459     الثلاثاء 28/8/2007    15  شعبان 1428 هـ

ابن القرية (25)

 قصة متسلسلة/ بقلم: نوري العقبي

  ذهبت الشمسُ بعيداً في الأفق، ثم غابت واختفت عن الأنظار, وتوقفت أغصان الشجيرات البرية التي كادت تسدّ باب الغار وتكسو ظهره والأرض من حوله بلونها الأخضر الجميل، ذات الروائح المنعشة والممتعة للنفوس, توقفت عن الحركة والاهتزاز كأنها ترقص على أنغام عود ندم, وقد ركدت الرياح التي هبت نشيطةً بعد أن انكسر الظُّهر ثم سكنت حين غياب الشمس، وسكنت معها جميع المخلوقات في المنطقة، حتى العصافير التي كانت تغرد كأنها تنادي بعضها للمبيت فوق أغصان شجرة الدوم في الوادي القريب.

   وبدأ الظلام يقتحم المنطقة رويداً ًرويداً من ناحية الشرق حتى الأفق صوب البحر, فيما لا زالت مجموعة أبو وليد تنتظر مجيء أفراد الجماعة للتشاور واتخاذ القرار في مصير جاحد الحية السمسار، الذي نقل ملكية أرضٍ عربية وباعها إلى أقوامٍ غازية أجنبية جاء بها الانجليز ليرثوا الأرض ويطردوا منها الأهل والجيران.

    فرغت مجموعة أبو وليد من تناول طعامها, طعام العشاء الذي جاء به اليوم من المدينة، حيث أكل الجميع من الزاد والشراب الكفاية وكذلك السمسار أكل مثلهم حاجته، وكان ضوء القنديل يضيء فضاء الغار, كما أوقد الرجال النار ليعدّوا القهوة وهم في حال انتظار, ينتظرون مجيء الجماعة من الرجال الأبرار الذين كانوا على موعد وعهد صادق. جاءت مجموعة بعد أخرى حتى وصل الجميع وأصبحوا تحت سقف الغار ينظرون إلى السمسار الذي كان محشوراً في قاع الغار يرتجف خوفاً وحيرة وعيناه كعيني اللص الخبيث تبرقان.

   سأله أبو السعيد: ما بك أيها الرجل؟ لماذا فعلت هذا أيها الحقير؟ فأجابه: "إني نادم أيها الرجال على كل ما فعلت لأني لم أعلم بالأخطار ولا بالمصير والقدر، ولو كنتُ أعرفُ ما سيسببه فعلي هذا من ضرر وخراب لبني قومي لكويتُ يديّ ولساني بالنار وكسرتُ ساقيَّ حتى لا أمشي ولا أرى بشراً في ليلٍ ولا في نهار, صدقوني إني نادم على كل ما فعلت، وإني أستغفر الله وأتوب إليه وهو شديد العقاب والعذاب, وإني أناشدكم, أتوسل إليكم اعتقوني وسأعمل بما تأمرونني به, المال الذي جنيته من عملي مع الأقوام إني واضعه تحت تصرفكم وفي سبيل طرد هؤلاء من الأرض، وكذلك روحي سأحملها على كفي للتوبة وغسل العار".

  وبعد أن استمع الرجال إلى ما قطعه جاحد الحية على نفسه من عهد وقَسَمٍ وتوبة, ورغبته بوضع ما جمعه من المال وقفاً تحت تصرف الجماعة، تهامس الرجال فيما بينهم وخرجوا للنقاش والقرار بعد أن بقي رجلان من الجماعة ليحرسوا السمسار في الغار. وبعد ساعات من النقاش كان رأي البعض تصفيته ليكون عبرةً ومثلاً لبقية الأوغاد, أما الغالبية من الرجال فكان لهم موقف مغاير ولا يرون في مجرد التصفية الجسدية منفعة بل ضرراً بالقضية ولمسيرة الثوار، ولذلك قررت الجماعة بالغالبية الساحقة إخلاء سبيل جاحد الحية ليتم ذلك بعد منتصف الليل ويُنقل معصوب العينيين حين إخراجه من الغار وحتى يشرف على بيته. وبعد وصوله إلى بيته خلع أحد الرجال العصبة عن عينيه، فنطق جاحد الحية بالشهادة وأقسم أن يعمل ما بوسعه من أجل القضية ومحاربة الأقوام، ثم تركوه يدخل بيته وغادروا.

  أيقن جاحد الحية أن الجماعة كانت على حق حينما فعلت به ما فعلت وأن أفرادها من أخلص الرجال والصادقين قولاً وثباتاً في المنطقة بأسرها، وتمنى لو كان أحدهم, لكنه أيقن أن من سلك سلوكه لا تقبله أيٌّ من الجماعات التي تطلب الحق وتقاتل دون الوطن. نام جاحد الحية باقي ليلته تلك في بيته وحدّث زوجته راوياً لها قصة رحلته القسرية، وكان يحدّث نفسه وهو يفكر ويخطط ما الذي يجب أن يفعله في سبيل إعادة كل قطعة أرض كان سبباً في نقل ملكيتها للأقوام الذين أصبحوا جيران غير مرغوبين، وهو الذي استوعب وفهم مدى وحجم الخطر على الأرض وعلى الأهل وعلى الوطن.

   ترك الرجال الغار حين الفجر عائدين إلى بيوتهم بعد أن أبعدوا من داخله ومن حوله كلّ أثرٍ ودليل على وجود أحدٍ كان فيه.

  كان أفراد أسرة أبو وليد ينتظرون عودته بفارغ الصبر والشوق والحنين، وحين وقف أمام باب البيت قبل شروق الشمس وطرق الباب بكل خفة وبطء خفّ الجميع ليستقبلوه وكأنه غاب دهراً من الزمن, ولم لا وهو رب الأسرة معيلها وحاميها؟. وبعد أن عانق أفراد أسرته وعانقوه, توجه إلى حيث يؤمِّن بندقيته وحزام ذخيرته في المكان السري الذي لا يعرفه أحدٌ سواه, ثم دخل الحمام ليستحم ويبدل تلك الثياب التي كان يرتديها منذ أيام، في حين كانت أم وليد تقوم بتحضير الطعام وفي آنٍ واحد تعدّ الشاي والقهوة وتعدّ ابنها وليد ليخرج إلى مدرسته كما في كل يوم من الأيام التي سبقت. وبعد أن تناول أفراد الأسرة طعام الفطور وشربوا الشاي سوية, خرج وليد إلى مدرسته لكنّ حنينه في هذا الصباح لقريته والعودة إليها كان قوياً، خاصةً وأن أسرته هجرت القرية منذ زمن وقد غابت عن ناظريه حقولها وتلالها ولم يلتقِ الناس فيها إلا حين وفاة جدّته.

يتبع...

   إطبع                                         أرسل إلى صديق

العودة إلى صفحة العناوين

 

مطلوب

مجلس حورة المحلي

 

 

 

 | أضفنا للمفضلة|    |  اجعلنا صفحة البداية |     | أسئلة وأجوبة |   | أحصل على الصحيفة عبر البريد | 

| مقاييس فنية |    | نماذج ضريبية |  

جميع الحقوق محفوظة لصحيفة أخبار النقب ©1988-2007