|
ابن القرية (26)
قصة متسلسة/ بقلم: نوري العقبي

كان وليد في طريقه إلى مدرسته ينقل أقدامه الصغيرة وهو لا يحسّ بها تلامس
الأرض، أفكاره مبعثرة كثيرة تمر بسرعة في مخيلته وذهنه, تتغير وتنتهي دون
إدراكٍ لغاية أو تحقيقٍ لهدفٍ واضح يرجوه، يراقب أباه الذي تغير حاله ومجرى
حياته في الآونة الأخيرة، ولاحظ أن كل ما يجري ويحدث من أمور ينعكس على أسرته
وحياتها، حيث أصبح أبو وليد يهتم بأشياء لا يعرف وليد أسرارها ولا يعلم شيئاً
عنها, وهو يرى أباه الذي اتخذ له رجالاً أصدقاء لا يعرفهم وهم ليسوا من أهل
قريته.
كذلك أحسّ بأنّ حياة الناس في المدينة قد تغيرت, ولم تبقَ كما كانت حين جاءت
الأسرة إليها منذُ عامٍ مضى, إذ بدأ الناس يتصرفون بلا صبرٍ وتريّث. كانت
بدايةَ شعورٍ بالعيش تحت وطأة أوقات عصيبة يتخللها الخوف من مصيرٍ مجهولٍ غير
مستقر, يترقب الناس ما الذي سيأتي به الغد والمستقبل القريب والبعيد.
لما دخل وليد ساحة المدرسة صباح هذا اليوم تخيل أن جميع التلاميذ فيها يشعرون
كما يشعر, لكنّ وقت الاصطفاف قد حان، ودخول الصف للدوام قد جاء، وهكذا توقفت
هواجسه وتفرَّغ ليستوعب دروسه. يوماً آخر قضاه وليد في مدرسته، عاد بعده إلى
أسرته مشتاقاً إلى رؤية أهله, مشتاقاً لرؤية أبيه الذي عاد صباح هذا اليوم بعد
غيابٍ قليل، وكان وليد قلقاً بعض الشيء وهو لا يعلم سر هذا القلق...!.
وبعد صلاة المغرب، التأمت الأسرة على مائدة طعام العشاء، وأكل الجميع بشهية
من الطعام الطازج اللذيذ التي طبخته أيدي أم وليد, وما أن رفع الجميع أيديهم عن
الطعام حامدين شاكرين ربهم على خيره وفضله وكرمه حتى نادى المؤذن لصلاة العشاء،
فأسرع أبو وليد ليصليها في المسجد القريب من بيته الذي كان من أجمل مساجد
البلاد تصميماً، حيث أقيم في عهد الحكم العثماني الذي أنشأ مساجد كثيرة منتشرة
في البلاد.
عاد أبو وليد بعد صلاة العشاء يصطحب ثلاثةً من الرجال من جماعته، جلسوا في
ديوانه حول بكرج القهوة يتبادلون الحديث الذي كان يدور كله حول الوضع القائم
الحاضر والخطر الواقع على الوطن والمواطنين نتيجة تكاثر الأقوام وتنظيماتها
ودعم الانجليز لها بلا حدود, حيث زرعوا مستوطناتهم في طول الأرض وعرضها في ظل
حكم الاستعمار الانجليزي الذي مكّن الأقوام من بناء خطوط دفاع عنها، ولديهم من
السلاح والذخيرة والخبرة العسكرية الحديثة والأعداد المدربة الكثيرة التي أصبحت
تشكل تهديداً حقيقياً وخطراً أكيداً على الوطن والمواطنين كافة. تحدّث الرجال
كثيراً عن السماسرة وسبل معاملتهم والتصدي لهم على ضوء ما كان أخيراً حين وقع
جاحد الحية السمسار في أيدي الجماعة وأعادوه إلى بيته سالماً بقرار. وقد سمع
وليد أباه يقول: نحن لا نعلم ثم إننا غير متأكدين إن كان قرار إخلاء سبيل جاحد
الحية السمسار قراراً صائباً ونافعاً، أم أنه كان خاطئاً وضارّاً، لكننا سنتريث
وننتظر حتى نرى كيف سيتصرف هذا بعد أن أعلن ندمه واستغفر ربه ووعد بعملٍ في
سبيل تغيير وشطب ما تسبب به من خسارة وخطر على أهله.
بعد ساعةٍ وأكثر غادر الرجال، كلٌّ منهم عائداً إلى بيته، منهم في المدينة
ومنهم في القرية أو البادية، وبقي أبو وليد بعد الوداع جالساً في مكانه صامتاً
يتأمل ما جدّ وحدث في جميع أنحاء البلاد من تطور سريع مثير, يحمل المفاجئات
والخطر يوماً بعد يوم, حيث الناس, كل الناس, في المدينة وفي القرية وفي
البادية, المرأة والرجل, الشيخ والطفل والبطل, حتى الرضيع في خطر.
هكذا بقي أبو وليد على حاله يغوص في بحرٍ من أفكاره، يتأمل وحده المستقبل
الذي يرجوه وهو يخشى المجهول, يبحلق بين حين وآخر في عنان السماء الذي كان
زاهياً بنور كواكبه وقمره الذي كان ملتصقاً عالياً في السماء يسير شيئاً فشيئاً
ليقطع طريقه على مدار الليل من الشرق إلى الغرب، وهو يبعث نوره الذي جعل الليل
على الأرض والبحار قريباً من النهار.
كان أبو وليد يرتشف قهوته بين حينٍ وآخر حتى كاد يأتي على البقية منها في
البكرج, هذا البكرج الذي كان دائماً عامراً بالقهوة. وحين بدأت النجوم تتلاشى
وتختفي في السماء والفجر لاح في الأفق أحس أبو وليد بالتعب والإرهاق، وكانت
حاجته للنوم مُلحَّةً وشديدة، حينها ذهب إلى فراشه ليستكين إليه واضعاً رأسه
على الوسادة ثم غطّ في نومٍ عميق حتى صباح اليوم التالي.
وفي صباح اليوم التالي استيقظت أم وليد كعادتها في كل يوم لتهتم بشؤون البيت
والأسرة حتى يخرج كلٌّ لعمله أو لمدرسته، أما أبو وليد الذي كان مرهقاً متعباً
فبقي نائماً ذلك الصباح على غير عادته, لكن نفس الإنسان لها على صاحبها حق ولا
بد أن تنتزعه, ومن ظلم نفسه وأرهقها فلا بد أن تحاسبه وتبقيه ينام رغم إرادته,
وللنفس على صاحبها حق لا بد من التسليم به وإلا لن تعطيك نفسك لجسمك وعقلك ما
يستحق.
إستيقظ أبو وليد حين الضحى ونهض من فراشه ثم دخل الحمام ليغتسل ويلبس ثياباً
أنيقةً، وبعد ذلك جلس إلى المائدة ليأكل طعام فطوره التي كانت أم وليد قد
حضّرته ويشرب قهوته ثم تحدث قبل خروجه من البيت إلى أم وليد وأبلغها برأيٍ
جديدٍ يراوده، ونيّةٍ بمغادرة المدينة والعودة إلى القرية، لكنه ترك هذا
الموضوع للتشاور هذا المساء.
خرج أبو وليد إلى مقهى الجماعة في وسط المدينة ليلتقي من يلتقي, وكان التقى
أبو السعيد الذي أخبره بأنّ جاحد الحية السمسار بدأ يبحث عن السلاح والذخيرة
ليحارب الأقوام ويغسل بذلك ذنوبه الكثيرة.
يتبع..
|