العدد  462     الثلاثاء 18/9/2007    6  رمضان 1428 هـ

تطهير عرقى مسكوتٌ عليه

 بقلم فهمى هويدى

  بينما الجميع مشغولون بمناكفات فتح وحماس‏,‏ وفي حين توزع إسرائيل حبوب السلام المخدرة علي عواصم العرب‏,‏ التي ابتلعها البعض وأدمنها آخرون‏,‏ فإنّ قواتها أتمت إبادة قرية عربية في النقب‏,‏ ضمن برنامج وحشي لمحو‏45‏ قرية من الوجود‏.‏

‏(1)‏

يوم الخميس‏27‏ يوليو‏,‏ هاجمت البلدوزرات الإسرائيلية قرية طويل أبو جرول‏,‏ وأكملت هدم بيوتها‏,‏ بعدما صادرت وحدات الجيش كل ما يملكه سكانها من الفلسطينيين العرب‏:‏ المنقولات والمواشي والخيام‏,‏ حتي صهاريج المياه دمرتها‏,‏ وتُرك أهل القرية في العراء دون مأوى‏,‏ تحت شمس يوليو الحارقة‏.‏

  الجريمة تمت في هدوء‏,‏ في عملية أقرب إلي القتل باستخدام مسدس كاتم للصوت‏,‏ الذي يُجهز على الضحية بغير جلبةٍ أو ضجيج‏,‏ حتي الإعلام العربي لم يكترث بالحدث‏,‏ فلا هو أبرزه ولا هو نبّه إلى خطورته ودلالته‏,‏ ولا أعرف أية جهة عربية أولته اهتمامها‏,‏ برغم أنه يُصنف حقوقياً ودولياً بحسبانه تطهيراً عِرقياً‏,‏ لو أنه حدث في بلد آخر غير إسرائيل‏,‏ وكان ضحاياه شعباً آخر غير الفلسطينيين‏,‏ لقامت الدنيا ولم تقعد‏,‏ وعند الحد الأدني فإنّ الأصوات كانت ستصر علي تقديم المسئولين عن الجريمة إلى المحكمة الجنائية الدولية‏,‏ هذا إذا لم تدعُ أصواتٌ أخرى إلى ضرورة التدخل الدولي لوقف الكارثة والدفاع عن القيم الإنسانية‏.‏

  من جانبي‏,‏ لا أخفي شعوراً بالخجل لأنني لم أنتبه إلي الخبر في حينه‏,‏ ولكنني وقعت عليه في ثنايا مقالة كتبها باحث متميز هو الدكتور محمود المبارك الأستاذ بجامعة الملك فيصل‏,‏ وهو حقوقي دولي‏,‏ عاتب فيها الإعلام العربي علي تجاهله لجريمة محو القرية‏,‏ قائلاً إنّ الخبر لم يثر كوامن الإعلاميين العرب‏,‏ الذين يقحمون إعلامنا في كل صغير وكبير‏,‏ وهو من توقع أنه سوف يتصدر العناوين الأولي للإعلام العربي المقروء والمرئي والمسموع‏ (‏الحياة اللندنية ‏3/9).‏

  وجدتُ الرجل محقّاً في عتابه‏,‏ واعتبرت مقالته وثيقة اتهام للإعلام العربي الذي مالت أغلب قنواته ومنابره مع الريح السياسية التي تراجع الاهتمام بالقضية الفلسطينية في أولويات اهتمامها‏,‏ وصدّقت ـلا أعرف كيفـ أن إسرائيل جزء من معسكر الاعتدال في المنطقة‏.

‏ وإذ انتابني شعورٌ بالذنب من جراء ذلك بحكم انتسابي إلى المهنة‏,‏ فقد سارعتُ إلى الاتصال بالدكتور سلمان أبو ستة رئيس هيئة أرض فلسطين‏,‏ صاحب الباع الطويل في هذا المجال‏,‏ ومؤلف كتاب طريق العودة الذي أعاد فيه إحياء خريطة فلسطين قبل تدميرها‏,‏ وهو من أوصلني إلى مركز "عدالة" المختص بالدفاع عن حقوق الأقلية العربية في إسرائيل‏,‏ كما دلني على مصادر أخرى‏,‏ عالجت موضوع عرب النقب وكشفت خلفيات ومرامي المخططات الإسرائيلية التي تنفذ هناك‏.‏

‏(2)‏

  في سجل إسرائيل لا يبدو محو قرية عربية من الوجود خبراً مثيرا‏ً,‏ لأن الذي يُقدم على محو بلد بأكمله لا يعجزه ولا يؤرق ضميره أن يفعلها مع قرية أو مجموعة قرى‏,‏ وفي المنطق الإسرائيلي فإنّه ما كان للدولة أن تقوم إلا بعد احتلال المدن ومحو القرى وطرد أهلها‏,‏ وارتكاب مختلف جرائم الإبادة البشرية والتطهير العرقي‏.‏ لذلك فمهما تقادم الزمن ووُقّعت الاتفاقات وقُدمت التنازلات ورفعت رايات السلام وترددت أناشيده‏,‏ فلن يُنسى أن إسرائيل قامت بتهجير سكان‏675‏ قرية فلسطينية في عام ‏1948,‏ بينها نحو‏400‏ قرية دُمرت تدميراً كاملاً ومُحيت من الوجود‏.‏

  وبرغم بشاعة هذه الخلفية‏,‏ فقد نفهم أسباب لجوء إسرائيل إلى احتلال المدن وإبادة القرى في مرحلة اغتصاب الأرض وإقامة الدولة‏,‏ أما حين يستمر الأسلوب ذاته بعد خمسين عاماً من قيام الدولة وفي أجواء الحديث عن السلام والتعايش مع العرب‏,‏ ومحاولة تطبيع العلاقات مع بعضهم‏,‏ فإنّ نظرتنا إلى الأمر لا بد أن تختلف‏,‏ باعتبار أن الجريمة تُصبح أضعافاً مضاعفة‏,‏ إذ إنها في هذه الحالة لا تصبح مجرد إصرار على الإبادة والتطهير العرقي بحقّ الفلسطينيين فحسب‏,‏ وإنما تُعدّ أيضاً نوعاً من خداع العرب والتلاعب بهم‏.‏

  أدري أن ملف عرب إسرائيل مسكونٌ بالبؤس والمذلة‏,‏ من حيث أنهم في أحسن أحوالهم يظلون مواطنين من الدرجة الثانية‏,‏ لكن عرب النقب بؤسهم أكبر‏,‏ لأن وجودهم ذاته في خطر‏,‏ والفرق بينهم وبين إخوانهم في إسرائيل أن الأخيرين يعانون من الذل‏,‏ في حين أن عرب النقب يتعرضون للاستئصال‏.‏

  أتحدث عن أكثر من ‏140‏ ألف عربي يعيشون في منطقة النقب‏,‏ التي تقع في الجزء الجنوبي من فلسطين‏,‏ ويُطلق عليهم في الأدبيات اسم عرب بئر السبع أو بدو النقب‏,‏ وهؤلاء هم أبناء البدو الذين استوطنوا النقب‏ (‏قضاء بئر السبع‏)‏ منذ آلاف السنين‏,‏ وامتلكوا أرضها التي قدرت في عام ‏1948‏ بخمسة ملايين دونم ‏(‏الدونم يعادل ألف متر أو ربع فدان‏),‏ كانوا يزرعون منها مليونين حسب موسم الأمطار‏.‏ وبعد الاجتياح الإسرائيلي الكبير في عام ‏1948,‏ فرغت النقب من معظم سكانها ‏(‏ما بين‏80‏ و‏85%),‏ حيث تم تهجير بعضهم وفرّ البعض الآخر‏,‏ وبقي‏11‏ ألفاً‏,‏ تشبثوا بالأرض ورفضوا مغادرتها‏,‏ وهؤلاء أصبح عددهم الآن‏140‏ ألفا‏ًً (نصفهم يعيشون في القرى غير المعترف بها‏),‏ وقد ظلت إسرائيل تطاردهم منذ عام ‏1948‏ وحتى هذه اللحظة‏,‏ فحجزتهم في سياج مساحته‏900‏ ألف دونم‏,‏ وتقلصت زراعاتهم‏,‏ فانخفضت من مليوني دونم إلى ‏240‏ ألفاً على أحسن تقدير‏,‏ وما برحت تلك المساحة تتآكل حيناً بعد حين‏,‏ بعدما سنّت حكومة إسرائيل تشريعاً اعتبرت فيه أراضي النقب ضمن أملاك الدولة‏,‏ ونقضت بذلك قانوناً بريطانياً أكّده تشرشل في عام‏1921(‏حين كانت فلسطين تحت الانتداب البريطاني‏)‏ اعترف بملكية البدو لتلك الأراضي‏,‏ بمقتضى قانون العرف والعادة المعمول به منذ قرون‏.‏

  صحيحٌ أن بدو النقب لم يسجلوا ملكيتهم للأراضي في أوراق رسمية‏,‏ إلا أنهم لم يكونوا بحاجةٍ إلى ذلك بحكم وجودهم التاريخي عليها‏,‏ وهو ما أقرّت به سلطة الانتداب البريطاني‏,‏ وهو أيضا ما تعاملت معه المؤسسات الصهيونية يوماً ما‏,‏ حيث تشير دراسة للباحث الفلسطيني الدكتور إسماعيل أبو سعد إلى أن الصندوق القومي اليهودي اشترى بعض الأراضي في النقب لإقامة مستعمرات عليها‏,‏ بين عامي‏1920‏ و‏1930,‏ من ملاكها البدو‏,‏ وهؤلاء أنفسهم من تدّعي إسرائيل الآن أنهم ليسوا ملاكا‏ً!‏.

‏(3)‏

  منذ الغارة الصهيونية الكبرى في الأربعينيات وحتى هذه اللحظة‏,‏ ظلت أراضي النقب التي احتفظ بها أصحابها العرب شوكةً في حلق السلطة الإسرائيلية‏؛‏ ولعلمك فإن إسرائيل هي الدولة الديموقراطية الوحيدة في العالم التي تملك الحكومة فيها ‏93%‏ من الأراضي ‏(‏أصحاب العقارات اليهود يُمنحون رخصاً للبناء فوق أراضٍ يستأجرونها لمدة ‏49‏ عاما‏ً),‏ لذلك فليس مُستغرباً أن تضيق الحكومة الإسرائيلية أشد الضيق لأن العرب الذين يمثلون ‏19%‏ من سكانها يضعون أيديهم على ‏3,5%‏ من الأراضي‏.‏

  ولأن الأرض هي عصب الصراع وجوهره‏,‏ فإنّ الحكومة الإسرائيلية ظلت تلاحق عرب النقب بمختلف السبل لكي تقتلعهم من أرضهم‏,‏ لتتولى تسكينهم في مناطق أخرى‏,‏ من التي وضعت يدها عليها‏,‏ من ذلك أنها اعتبرت أن الأربعين قرية التي يعيش فيها‏70‏ ألف عربي غير قانونية‏,‏ بدعوى أنها أقيمت فوق أراضي الدولة‏,‏ وبدون تصريح‏,‏ وعمدت إلى إنذار سكان القرى بضرورة المغادرة‏,‏ وشرعت في هدم بيوتهم‏,‏ وفي الوقت ذاته‏,‏ فإنها لجأت إلى تسميم زراعاتهم عن طريق رشها بالمبيدات التي تهلك الزرع وتعوق نموه‏,‏ كما لجأت إلى تسميم مواشيهم حتى تضيّق عليهم أسباب العيش‏,‏ وتدفعهم إلى هجرة المكان، وبرغم ذلك فإنهم ظلوا صامدين طول الوقت‏,‏ وقد تسلحوا في ذلك بإصرارٍ مدهش على التشبث بالأرض والتمسك بحقّهم فيها‏.‏

  في عام‏2000‏ كتب أريئيل شارون‏,‏ مباشرةً قبل توليه رئاسة الحكومة‏,‏ مقالةً نشرتها مجلة الأرض‏,‏ ذكر فيها أنه باعتباره من سكان النقب‏,‏ فإنه يرى بأمّ عينيه كل يوم أن نحو‏900‏ ألف دونم من أرض الدولة ليست في أيدي الحكومة‏,‏ ولكنها في قبضة البدو الذين يقضمون حدود الدولة ويتمددون على أرضها‏,‏ دون أن ينتبه أحد إلى خطورة ما يفعلون‏,‏ وهي المقالة التي ردّ عليها في عام ‏2003‏ أحد مثقفي البدو‏,‏ البروفيسور إسماعيل أبو سعد‏,‏ قائلاً‏:‏ كيف نُعتبر دخلاء على النقب‏,‏ في حين أن أسلافنا عاشوا هنا منذ آلاف السنين؟‏.‏

  في العام ذاته ‏(2003)‏ ـ وشارون على رأس الحكومة ـ أقرّت إحدى اللجان الوزارية خطة معالجة الوسط البدوي في النقب‏,‏ التي أصبح يُطلق عليها "خطة شارون"‏. وفي حين أُعلن رسمياً أن هدفها هو تغيير وتحسين وضع البدو‏,‏ إلا أن الهدف الحقيقي لها هو السيطرة علي أراضي العرب في النقب‏,‏ وتهجير السكان وتجميعهم في سبع بلدات خططت الحكومة الإسرائيلية لإقامتها‏,‏ لتصفية القرى التي يقيمون فيها على أرضهم‏,‏ وخلال السنوات التالية بدأت خطوات تنفيذ المخطط الذي كانت قرية طويل أبو جرول أحدث ضحاياه‏.‏

 (4)‏

  وحدهم عرب القرى غير المعترف بها في النقب‏,‏ المقرر إزالتها‏,‏ يواجهون الجبروت الإسرائيلي الذي يُمارس في غفلةٍ من الجميع‏,‏ فقد شكّلوا من بينهم مجلساً إقليمياً برئاسة حسين الرفايعة‏,‏ الذي يقود مع زملائه حملة الصمود في مواجهة حملة التدمير الإسرائيلية‏,‏ وفي التقارير التي وقعتُ عليها وجدته يقول دائماً إن البلدوزرات اذا هدمت بيوتهم‏,‏ فسوف يقيمون خياماً ينصبونها ليظلوا فوق أرضهم يعيشون عليها ويواصلون زراعتها كما فعل أجدادهم‏. قرأتُ في التقارير أيضاً كلاماً لعقيل الطلالقة رئيس اللجنة المحلية للقرية التي تم هدمها‏,‏ قال فيه‏:‏ الإسرائيليون إذا كانوا قد هدموا‏‏ (طويل أبو جرول‏)‏ وحاولوا محوها من الجغرافيا ‏11‏ مرة‏,‏ فإنهم لن يستطيعوا محوها لا من التاريخ ولا من قلوب أبنائها‏,‏ المستعدّين للموت دفاعاً عن ترابها‏.‏

  إلى جانب هؤلاء فإنّ بعض الجمعيات الأهلية التي تضم أجانب وعربا‏ً (‏من بينها جمعية بديل في بيت لحم وعدالة في الناصرة‏)‏ لا تكف عن تسجيل جرائم إسرائيل وتزويد الأمم المتحدة بالوثائق التي تدينها بها‏,‏ بل إنّ جمعية بديل شكّلت مجموعةً ضمت‏30‏ من خبراء القانون الدولي المتطوعين‏,‏ الذين يُعدّون التقارير والشهادات الخاصة بالممارسات الإسرائيلية إلى لجان الأمم المتحدة‏.‏

  إنّ ما قامت به إسرائيل في قرية طويل‏,‏ ومخططها لإبادة بقية قرى النقب التي تدّعي عدم قانونيتها‏,‏ هو جريمة تطهيرٍ عرقي‏,‏ تنطبق عليها أحكام القانون الجنائي الدولي‏,‏ وكما ذكر الدكتور محمود المبارك‏,‏ فإن المفهوم المبسط للتطهير العرقي أنه‏:‏ الطرد القسري لمجموعة من السكان غير المرغوب في وجودهم من منطقة معينة‏,‏ كنتيجة للتمييز العرقي أو الديني‏,‏ أو لاعتبارات سياسية واستراتيجية‏,‏ أو لكل هذه الأسباب مجتمعة‏,‏ وهو التعريف الذي ينطبق بالكامل على الحالة التي نحن بصددها‏,‏ لكن الحق لا يمضي وحده‏,‏ وإنما يظلّ بحاجةٍ إلى رجالٍ يحملونه ويذودون عنه‏,‏ وقد بذل أهل النقب غاية جهدهم في ذلك‏,‏ بصمودهم واستغاثتهم بالأمم المتحدة‏,‏ التي أغمضت أعينها عما يجري هناك‏,‏ ولم تعد تنشغل إلا بما يحدث في دارفور‏,‏ ولا نستطيع أن نلومها في ذلك‏,‏ لأننا وقفنا نفس الموقف‏,‏ فلم نردّ ولم نسمع ولم نتكلم ـ يا ويلاه‏.‏

(الأهرام- 11-9-2007)

   إطبع                                         أرسل إلى صديق

العودة إلى صفحة العناوين

 

مطلوب

مجلس حورة المحلي

 

 

 

 | أضفنا للمفضلة|    |  اجعلنا صفحة البداية |     | أسئلة وأجوبة |   | أحصل على الصحيفة عبر البريد | 

| مقاييس فنية |    | نماذج ضريبية |  

جميع الحقوق محفوظة لصحيفة أخبار النقب ©1988-2007