|
ابن
القرية (28)
قصة متسلسلة بقلم: نوري العقبي

حزن
أصدقاء وزملاء وليد كثيراً حينما سمعوا برحيله عن المدينة، وكذلك سالت دموعه هو على
وجنتيه غزيرةً لحظة وداعه لمعلميه وأصدقائه وزملائه في مدرسة المدينة, وكانت مشاعره
ثائرةً، وحزنه على الفراق عميقاً شديداً.
فهو
يعلم أن أسرته ستغادر المدينة صباح غدٍ عائدةً إلى بيته في القرية، الأمر الذي يرغب
فيه ويشتاق إليه, لكن يصعب عليه أيضاً فراق المدينة الجميلة وهجر حدائقها وشوارعها
النظيفة وناسها الطيبين, والمدرسة وساحتها وطلابها ومعلميها المربين المخلصين.
في
صباح اليوم التالي جاءت الشاحنة لتنقل ما هو ضروري من أمتعة الأسرة، ولتنقل أفرادها
وتسرع بهم للعودة إلى قريتهم, هذا بعد أن سدّت أم وليد باب البيت وأحكمت إغلاقه على
ما كان فيه من أثاث حديث ثمين كان البيت يمتلىء به، وهي لا تدري هل ستكون العودة
قريبةً أو أنها لن تكون.. وحينها ستفقد كل هذا الأثاث الذي تركته في المدينة.
ولما
وصلت الشاحنة القرية وتوقفت عجلاتها عن الحركة كان الجيران وأهل القرية قد جاءوا
ليرحبوا بعودة أسرة أبي وليد، ويتعاونون في تفريغ حمل الشاحنة، فيما قامت نسوة
الجيران بمساعدة أم وليد في ترتيب بيتها من جديد بعد غياب طويل، وقامت بعضهنّ
بتحضير طعام الغداء احتراماً وإكراماً وفرحةً بعودة الأسرة بعد غياب طويل.
واصطحب رجال القرية أبا وليد لديوانهم ليشربوا هناك القهوة وهم يتوقون سماع الأخبار
منه، خاصة عن الأقوام الذين استوطنوا الأرض وجعلوا مستوطناتها حصناً حصيناً للذين
يسكنوها، وهم هؤلاء الذين أصبحوا يشكلون خطراً كبيراً على الأرض وسكانها في كل
مكان, كما أنهم ينفذون في كل يوم عمليات إرهابية حاقدة تخيف الناس وتزعزع أمنهم.
دعا
رجال القرية أبا وليد ليجلس في صدر الديوان, احتفاءً به بعد عودته لقريته. وبعد
لحظة من الصمت قُدم له فنجانٌ من القهوة فيما بدأ الحديث حول الأوضاع الراهنة التي
تواجهها البلاد حسب وجهة نظره واعتقاده. وعبّر الجميع عن معنوياتهم العالية والثقة
القوية بأن الخطر الواقع على البلاد سيزول مهما كانت المؤامرة عامة وعالمية خبيثة,
والعدو أخبث وأدهى, وأنه مهما مر من الزمن ستكون النتيجة طرد الأقوام عن أرض الوطن،
وأن المطلوب الإخلاص من أجل الخلاص من هؤلاء الأقوام.
حان
الظهر وموعد الغداء، وبادرت النسوة من الجيران يحملن الطعام إلى أسرة أبي وليد في
بيتها، كما جاء به الرجال إلى الديوان, فأكلت النسوة طعامهن مع أم وليد وبقية أفراد
أسرتها في بيتها، وتناول الرجال طعامهم في ديوان القرية، فهكذا كان أهل القرية
برجالها ونسائها أسرةً واحدةً حميمةً، وما أجمل تلك اللحظات وأسعدها وما أطيب الناس
في هذه القرية فهنيئاً لهم في ذاك الوقت والزمان.
وبينما كان الرجال يجلسون في الديوان بعد الغداء يتحدثون ويشربون القهوة، جاء رجلٌ
يمتطي فرساً تهرول، لم يترجل عن ظهرها، وقال مخاطباً لمن خرج من الرجال لاستقباله:
"إحذروا يا أهل القرية! فإن هناك عصابات من الأقوام الغازية لبلادنا تصب السم
القاتل في آبار المياه في المنطقة, وإن هناك قطيع من الغنم قد نفق بكامله بعد شربه
ماءً من بئر الجبل، وإن الرعاة شاهدوا رجال العصابة وهم يقومون بفعل جريمتهم". ثم
أدار رأس فرسه وانصرف وهي تهرول به لينقل الخبر إلى قرىً أخرى.
خرج
رجال القرية في الحال ليتفقدوا آبار قريتهم, يفحصون محيطها وماءها حتى يتأكدوا من
سلامة آبارهم ومائهم. أما وليد فقد امتطى حصان جده المصان وأخذ يطوف وهو يمشي على
مهل في السهول ويقف على التلال, يتمتع بطبيعة الأرض وجمالها وما عليها من حياة ناس
وحيوان وأشكال مختلفة من الأعشاب, وحجارة بشتى الألوان, وأكوام الغلة المقنطرة.
لكن
القلق كان يشد أبا وليد بعض الشيء وهو يطوف مع رجال القرية الذين خرجوا جميعاً من
الديوان ليتفقدوا آبار قريتهم، وهو يريد لقاء أبي السعيد على عجل، ربما فرغ هذا من
وضع خطة مهاجمة المستوطنة القريبة من المدينة حتى يشارك في تنفيذها مع بقية الرجال.
وحين
قرر الخروج استأذن وودع رجال قريته وعاد إلى بيته حالاً ليحيط زوجته علماً بقرار
خروجه فجأة ليلتقي أبا السعيد وبقية الجماعة إذا كان هذا الحال ممكناً. وبعد أن ودع
زوجته وطبع قبلة على جبينها وأوصاها خيراً بالأولاد والجيران أسرع في طريقه إلى
المدينة، حيث في مقهى الجماعة سيكون اللقاء. وقبل المساء بقليل كان أبو وليد يدخل
مقهى الجماعة لينتظر مجيء أبي السعيد وأصحابه بعد الإشارة، وما هو إلا وقت قليل حتى
وصل أبو السعيد, وبدأ الرجال يتوافدون على المقهى يشربون القهوة دون الدخول في
حديث, وحين صلاة المغرب ذهب الجميع سوياً ليؤدوها في مسجد المدينة القريب. وبعد
صلاة المغرب ذهب أفراد الجماعة إلى بيت أبي وليد الذي أصبح مهجوراً وجلسوا في حوشه
داخل السور, وكان الجميع حاضرين, إلا عبد الله الذي كان في رحلة بعيدة ويأمل
الوصول.
يتبع....
|