|
ابن القرية (29)
قصة متسلسلة/ بقلم: نوري
العقبي
منذ أيام كان خرج عبد الله ومجموعته سرّاً ليتجولوا في
المنطقة, بقصد مراقبة ورصد تحركات العصابات من رجال الأقوام الغازية, وهي التي
أصبح لها نشاطٌ ظاهرٌ ملحوظ وخطير للغاية.
كانت المجموعة تتعقب وتسجل حركات
إحدى العصابات المسلحة التي تستقل عربةً أُلبست ثوباً من الألواح الفولاذية,
بحيث لا يشكِّل الرصاص من الأسلحة الخفيفة التي تمتلكها الجماعة خطراً على ركاب
تلك العربة ولا يضرها بشيء. وكانت العربة تتنقل من مكانٍ إلى آخر، ليتعرَّف
الأفراد الذين يستقلّونها على طرقات ومسالك المنطقة، وعلى مواقع مصادر المياه
التي يعيش السكان عليها، يشربون منها وتشرب منها ماشيتهم, كما كانوا يقفون
كثيراً ويهتمون عند التوزيع السكاني وتواجده على الأرض، وربما يختبرون ردود فعل
السكان.
حينما عاد عبد الله إلى المدينة بعد صلاة العشاء من رحلته،
ذهب فوراً مع مجموعته ليشارك الجماعة اللقاء الذي أراد له أبو وليد أن يتم,
بسبب ورود أخبارٍ حول قيام العصابات بارتكاب الجرائم ضدّ المواطنين، كان آخرها
صبّ المواد السامة القاتلة في الآبار والتسبب بضرر كبير وإخافة وإرهاب الناس من
سكان المنطقة وهم مدنيّون عزّل. لهذا, كان أبو وليد يريد موافقة جماعته
ليقوم بضرب خط المياه الذي يخدم سكان المستوطنات
كردٍّ على جريمتهم.
وكان أبو السعيد قد فرغ من وضع
خطةٍ تقضي بمهاجمة المستوطنة القريبة من المدينة بهدف احتلالها في الأيام
القريبة القادمة, لأنها تشكل وكراً خطيراً على المدينة وتهدد سكانها. وكان
بالإمكان تنفيذ العملية فور تقدم رجالٍ من الجماعة تتطوع للقيام
بها, بعد تلقيهم التدريب المطلوب والإرشاد.
وما أن جلس الرجال في دائرةٍ داخل حوش
أبو وليد حتى بادر أبو السعيد بالحديث الذي شرح فيه معنى العملية وأهدافها، وهي
التي ستهز قادة الأقوام وتردعهم, كما أنهم، نتيجةً لها، سيفقدون صوابهم وثقتهم
بقواتهم وقدراتهم. ولما انتهى أبو السعيد من كلامه
كانت الخطة واضحة الصورة والمعالم أمام الرجال من أفراد الجماعة، وكان المطلوب
عشرةٌ منهم يتطوعون للقيام بتنفيذ العملية، يتمنى أبو السعيد أن يكون أحدهم،
بعد أن تحدَّد موعد القيام بها فجرَ أحد أيامِ
الأسبوع القادم.
لكن عبد الله بادر ووقف أمام الجماعة منتصب القامة وهو يعرف
كلَّ واحدٍ من أفرادها، وقال: "دعوني أختار من سيشارك في هذه العملية إذا
قبلتم, وأنا أعلم علم اليقين أنّ كلَّ واحدٍ منكم يتمنى أن يقع عليه الخَيار
ليشارك في عملية شأنها محاربة الأقوام الغازية وطردها من البلاد", فردّ الرجال
على كلام عبد الله بصوتٍ واحد تقريباً، وكأنهم في جوقة، بالموافقة وقالوا: تقدم
يا عبد الله واختر من تريد. فكان أول من اختار نفسه, ثم التفت إلى يمينه واختار
الرجل الذي يجلس بعد جاره، وهكذا حتى انتهى من تسمية عشرة رجال، وهو العدد
المطلوب للقيام بالعملية حسب الخطة التي وضعها أبو السعيد, الذي لم يحالفه الحظ
ولم يشمله العدد المطلوب من الرجال الذي وقع الخيار عليهم.
كان الرجال الذين اختارهم عبد الله للقيام بمهاجمة المستوطنة
في نشوة واعتزاز بالنفس حين باركهم بقية الرجال. ثم استأذن ليحدث الجماعة عما
شاهده مع رفاقه حينما راقبوا سيارة شبه مصفحة، ودعا للأخذ بالحيطة والحذر عند
مواجهة مثل هذه القوة المعادية الغاشمة, مؤكداً لهم أنهم لا يملكون حالياً
سلاحاً مضادّاً يتحدّون به هذه السيارات المصفحة
التي تقي ركابها من الرصاص وتؤمِّن لهم السلام والحركة الحرة, لذلك عليهم البحث
عن سلاح يخترق هذا الفولاذ ليصل إلى قلوب من فيها من الغزاة الأعداء.
وحين جاء دور أبو السعيد ليتحدث شكر جميع أفراد الجماعة ودعا
للذين سيقومون بالمهمات المقررة بالسلامة والتوفيق وتحقيق النجاح, ثم أكد أنه
سوف يسعى منذ الغد للحصول على أفضل السلاح المطلوب لمقاومة الأعداء المتربصين
الذين يتجرأون على الحركة الحرة المطلقة في
منطقتنا دون خوف.
إنفضّ الاجتماع وتوزَّع الرجال
بعد أن اتفق العشرة أن يلتقوا مساء الغد في الغار. أما
أبو وليد فخرج مع مجموعته ليلاً لضرب خط المياه وإعطابه، وكان ذلك بعد أن حملوا
سلاحهم وأحضروا الأدوات الجديدة في سبيل إعطاب الخط وقطعه.
بحثوا عن موقع منخفض حتى يتمكنوا القيام بمهمتهم والقدرة على صد أي
مقاومة في مثل هذه الحالة، ولكي يستطيعوا من هذا الموقع المنخفض اكتشاف أي حركة
للأفراد المعادين من بُعد.
ولما بلغوا الموقع المحدد شرعوا
بعملهم بإعطاب الأنبوب على طول كم بالقليل حتى يكون من العسير على العصابات
إصلاحه في وقت قصير. كانت العملية قد بدأت قبل
الفجر واستمرت أكثر من ساعة تم خلالها التنفيذ، حينما ظهرت فجأةً مجموعةٌ يسير
رجالها خلف بعضهم البعض بمحاذاة خط المياه، وكانوا خمسة. حينها احتل أبو وليد
مع رفاقه الثلاثة مواقع حصينة وسددوا سلاحهم نحو العصابة، وعندما اقتربت أطلق
عليهم الرجال النيران فقُتل منهم على الفور ثلاثةٌ واستطاع رجلان منهم الفرار
ولعلهم لم يصابا. وهكذا انتهت هذه العملية الناجحة وغير المتوقعة وقتاً طويلاً
في التخطيط والتنفيذ. بعدها انسحبت مجموعة أبو
الوليد سالمةً سعيدة فرحة، وعادت لتنقل أخبار ما حدث لبقية الجماعة.
حين سمع أبو السعيد أخبار هذه
العملية الناجحة جدّاً فرح للنتائج وصمم على بذل كلَّ ما هو غالٍ ونفيس في سبيل
الحصول على السلاح الذي بواسطته يستطيع الرجال مواجهة السيارات المصفحة واختراق
فولاذها حتى قلوب الأعداء.
يتبع..
|