|
ملحمة الأرواح
بقلم: منى الحبانين
حينما تبحر الذاكرة في أعماق الماضي الذي انطوى وبدا يتلاشى
حتى أصبح ككتلة سوداء بداخلها بصيص نور خافت.. تقرع بيدك على تلك الكتلة، تحاول
من خلال النور الخافت أن تقلب صفحات الماضي فتتبدّا لك على ظلال تلك الكتلة
صورٌ باهتة لأشباح وخيالات كانت ممن ملأ سجلات ما مضى من الزمان.. صور وخيالات
ضاحكة.. باكية.. مستسلمة تلوِّح بأعلام النصر.. وسهام تملأها دماء الحرية، أسرى
الماضي في سجنه.. في متحفه.. يعرضه لكل روح تاهت في الليالي الباردة العصبية
بحثاً عن الحقيقة.. فتحول في جدران المتحف المظلم, لترى صور من الماضي قد علقت,
وكل لوحة تستقبل تلك النفخة من الروح المتسلطة بقهقهات.. أو بنبرات حزن وعويل،
أو تدعوك مشيرةً إلى حيث تعود وتستيقظ، أن تتذكر سجلات الماضي لتطرح ماضٍ
حاضراً لأرواح متمردة مستقبلية.
تاهت روحي في إحدى الليالي ووجدتني أقرع تلك الكتلة السوداء
بحثاً عن صور من متحف الماضي.. فوجدتهم يجلسون ثلاثة أشخاص حول أعناقهم سلاسل
تحمل الأمل الذي عاشوا لأجله ومن أجله, كانت عيونهم حمراء منتفخة من شدة
البكاء.. يشيرون إلى تلك الباخرة حيث سقطوا منها إلى مياه البحر.. إلى جوفه حيث
لا يستطيعون مواصلة الحياة.. لقد حاولوا الطفو.. لوحوا بأيديهم لكن سرعان ما
ابتلعتهم ظلمات ذلك الليل الأسود.. كانوا في طريقهم إلى حيث الأمل والوطن,
بكوا.. حيث لم تطأ أقدامهم أرض الوطن, ولم يتذوقوا بعد الحليب والعسل المنتظر.
ضحكت بسخرية.. آما زالت تلك الأرواح في غياهب الماضي تفكر لما
لم تكمل السفر..؟ وجدتهم ينظرون بحقد إلى روحي المتمردة التي لم تجر إلى ما قبل
الماضي حيث هنالك تجد شيئاً من لهو الحياة, بل استرقت النظر إلى الماضي
البعيد.. حيث لا يسمح لنا بأن نطلق العنان لأرواحنا بالتحليق والبحث عن الحقيقة
في لوحات الزمان.., طافوا معي إلى حيث بداية الحلم والأمل, فأشرت إليهم بلوحات
كانت أرواحنا تطفو فوق حقولنا إلى حيث يُرفع الأذان.. إلى حيث القمم حين يصدح
الراعي بشبابته ويطرب الطير ويحيا الأمل.., إلى أهازيج من حناجر نسائنا تغيب مع
ميل شمس الغروب إلى الأفق, إلى ساحات وملاعب أطفالنا.. ما زلت أسمع طنين أصوات
يأتي من كل اتجاه.. يذكر بطفولة عذبه وصبا.
وسنابل قمح.. انظروا صحت فيهم إلى أشجار التين.. الصبار
الزيتون تميل أغصانها زهورا, بقيت راسخة شامخة, وقد حفرت على جذوعها أسطورة
الوطن.
تضاءلت أرواحهم, وخفت نورهم وتلاشى, حين انبثق الحاضر مزهواً
بميلاد وطن. |