|
مع بدء العام الدراسي في الجامعات
بركات أبو عفاش.. طالبٌ جامعي من نوعٍ خاص..
يرى العالم من حوله عبر حاسة السمع المرهفة.. التي عوّضه الله
بها بدل نعمة البصر
تقرير: محمد يونس

جلستُ عصر السبت الماضي في بيته في بئر السبع، على أريكةٍ
يعلوها بروازٌ جميلٌ، فيه رسمةُ قلبٍ، وتحمل العبارة التالية: "قلبُ الأم..
زهرةٌ لا تذبل!".
سألتهُ عن هذا البرواز فأجاب إنه هديةٌ من والدته، التي أبدعت
البرواز بيديها، وأهدته لابنها قبل سنين، فيما لا يزال يحتفظ بهذه الهدية
الغالية، من أمه الغالية التي لم يذبل حبّها له في يومٍ من الأيام.. تماماً كما
لم يذبل حبّه هو لموضوع الموسيقى والفنون، منذ أن كان هاوياً في الصغر، وإلى أن
أصبح الآن على أعتاب السنة الدراسية الثانية في الجامعة.
في الجامعة العبرية
في هذه الأيام، يبدأ العام الجامعي الجديد، وسط إضرابٍ ينظمه
المحاضِرون في الجامعات. ومن المقرر أن يلتحق بركات أبو عفاش هذا العام بالسنة
الثانية ضمن دراسته للموسيقى الشرقية في أكاديمية الموسيقى بـ"جبعات رام" في
الجامعة العبرية في القدس.
رغم الصعوبة التي تواجهه في الدراسة، حيث أنه كفيفٌ منذ
الولادة، إلا أنه لا يحب هذا الإضراب، لأنه التحق بموضوع دراسته عن رغبةٍ
ومحبّة، على أمل أن يتخرج في نهاية الدراسة ويعود لمزاولة هذا الفن في ربوع
الجنوب، ليساهم في رفع الوعي الفني والثقافي.
.jpg)
يسافر ويرجع كل يوم
يعيش بركات محمد أبو عفاش في مدينة بئر السبع مع زوجته
وأطفاله، ويسافر كل يومٍ في السابعة صباحاً إلى الجامعة العبرية في القدس،
ويعود في ساعات المساء، متحملاً كل المشقة والتعب، في سبيل هوايته التي يريد
أخيراً لها أن تصبح علماً أكاديمياً، حتى يتمكن بها من تحقيق طموحه.
يتحمل هو مصاريف السفر والمعيشة، فيما تقوم مؤسسة التأمين
الوطني بتحمل قسط التعليم السنوي، أما الجامعة فتخصص له مرافقاً يساعده في بعض
الدورات، يقرأ له أحياناً ما يكتبه المدرّس، أو يساعده في تسجيل الدرس على آلة
التسجيل، التي يقوم بعدها بتفريغ المادة إلى الدفتر عبر طريقة "برايل" التي
يتقنها جيداً.
وللحاسوب في حياة بركات نصيبٌ، فهو يستخدم برنامجاً خاصاً
بذوي الإعاقات البصرية، قام باستعارته من إحدى المؤسسات، فيما لا تملك يده
إمكانية شراء البرنامج والمعدّات الخاصّة التي تكلف نحو ثلاثين ألف شيكل.
النهوض بالفن في الجنوب
يُقرّ بركات أبو عفاش أن موضوع الفن والثقافة في الجنوب لا
يحظى بالاهتمام المناسب، حيث يرى فيه الكثيرون موضوعاً ثانوياً، أو لعله من
الـ"الكماليات". وقد سمع مؤخراً أن موضوع النشيد أُلغي من برنامج التدريس في
المدارس، ليزيد من قناعته أن هذا الجانب الإنساني لا يحظى بالاهتمام، سواءً كان
من المجتمع أو من العاملين في سلك التدريس، أو ربما بسبب نظرةٍ دينية يرى البعض
من خلالها حرمةً شرعيةً في هذا المجال.
من هنا يؤكد بركات أن هدفه بعد التخرّج أن يعود للجنوب ليمارس
الفن والموسيقى، وليؤسس الفرق الفنية، وليرفع من مستوى الفن، دون أن تمنعه
إعاقته البصرية من ممارسة هذا الطموح.
فهو على العكس من ذلك، يرى أن إعاقته التي وُلد معها يجب ألا
تمنعه من أداء دوره، رغم نظرة المجتمع للإنسان المعاق على أنّه
"مسكين"!. أي أن الظلم الذي يقع على المعاق أو على ذوي الاحتياجات الخاصة، ليس
من الدولة فقط التي لا تهتم بما فيه الكفاية بهم، بل من المجتمع أيضاً الذي
يعيش المعاق بين جنباته.
.jpg)
معتادٌ على المشاق
المصاعب في حياة بركات أصبحت جزءاً لا يتجزأ من حياته، فهو
الذي لم تسمح له الظروف بإنهاء المدرسة الثانوية كباقي الطلاب، تمكّن من الحصول
على شهادة البجروت من خلال امتحاناتٍ خارجية، بقي يثابر حتى نجح فيها.
درسَ دوراتٍ في العلاج الطبيعي وأراد العمل في هذا المجال،
لكنه لم يعمل فيه. سكن في القدس ودرس الموسيقى على يد معلمين خصوصيين، عاش في
حيفا فترةً من الزمن، عمل في عددٍ من المراكز التي تقدِّم الاستعلامات
الهاتفية، وغيرها من المحطات التي مرّ بها في حياته.
قبل سنواتٍ سمع عن افتتاح فرع الموسيقى الشرقية في الجامعة
العبرية القدس، فقرر الالتحاق بهذا الموضوع، واضطرّ لاجتياز امتحان القبول
مرتين، حتى أثبت للجامعة أنه يفي بالشروط المطلوبة. وهنا يقول إنه مرّ بشروط
قبولٍ ربما تكون أصعب من شروط قبول الطلاب الآخرين، بمعنى أنه لا أحد يعطيه
"تسهيلات أو تخفيضات" بسبب حالته، بل إنه يخوض غمار هذا الموضوع على قدم
المساواة مع سائر الطلاب.
في انتظار الدعم
يلخِّص بركات لقاءَنا القصير معه، بالتأكيد على أمرين، هما
أهمية تغيير نظرة المجتمع إلى ذوي الاحتياجات الخاصة، وكذلك تغيير النظرة تجاه
الفن والثقافة.
كما أنه يعترف أن صعوبة الحال المادية، وكونه ربّ أسرة، يتطلب
أن تقوم بعض الجهات أو المؤسسات أو الأفراد، بمدّ يد العون المادّي، حتى يتمكن
بركات من تحقيق طموحه وخدمة مجتمعه.
|