العدد  466     الثلاثاء 23/10/2007    12  شوّال 1428 هـ

ابن القرية (32) قصة متسلسة بقلم: نوري العقبي

  من كل بلدان الغرب الطامع, جاءت سفنٌ كبيرة محمّلةٌ تسبح في مياه البحار بكل ما تحتاجه الأقوام الغازية؛ جاءت لترسو في الميناء البحري الخاص الذي بنته الأقوام الغازية تحت رعاية وحماية الحاكم الاستعماري الإنجليزي.

   كانت السفن تفرغ في جنح الليل أحمالها الثقيلة من مختلف الأسلحة الثقيلة والخفيفة, وقطعاً بكاملها تكوِّن الطائرات الحربية العديدة التي يقوم بتجميعها الفنيون والمختصون من رجال الأقوام الغازية بما كان لديهم المعرفة والتجربة التي نقلوها وجاءوا بها من بلدانهم الغربية والشرقية من أوروبا. هذا الأمر أوجدَ وضعاً جديداً، جعل الأقوام الغازية يملكون قوةً عسكرية لا بأس بها من مختلف الأسلحة ومن الطائرات والسيارات المصفحة التي لا مثيل لها في البلاد، بل لا مثيل لها ولا تمتلكها حتى جيوش الشعوب المجاورة، وهي التي ترزح وما زالت تحت نير الحكم الاستعماري الغربي هذا المتربص الطامع.

  فجأةً شاهد الناس طائراتٍ كثيرة تحوم في السماء, تحمل البضائع والمعدّات التي ترمي بها إلى سكان المستوطنات لسدّ حاجات السكان فيها، كالبضائع التموينية والدفاعية, ولم لا؟ وهم الذين تصلهم على ظهر سفينةٍ واحدة قطعٌ تتكون منها أربع طائرات تم تجميعها خلال ليلة واحدة، لتطير في اليوم التالي وتكون جاهزةً للقيام بكل مهمةٍ تريدها الأقوام, هذا بالإضافة للحمل الثقيل التي نقلته السفينة من الأسلحة الكثيرة والبضائع اللازمة وحتى البصل!!.

  عاد رسول أبي السعيد وأصحابه من بلاد مصر بعد عناء سفرٍ ثلاث ليالٍ متتالية، عاد وهو يقود قافلةً من الجِمال تحمل مدافع الميدان والهاون وقطعاً أخرى من الأسلحة المختلفة والذخائر, كلها من مخلفات معركة العلمين في صحراء مصر الغربية حين حاربت جيوش منتيجومري جيش رومل. وقد أحدث حصول الجماعة على هذه الكمية من السلاح ردّ فعل وصدىً عظيمين, حيث كانوا يظنون أن بوسعهم القدرة على مهاجمة المستوطنات واحتلالها متى وأين شاءوا، وكذلك صدّ أيِّ هجومٍ تقوم به العصابات الغازية وتكبيدها خسائر فادحة.

  وقد تم إيصال شحنة الأسلحة والذخائر إلى الغار في الجبل, التي أدخلت السعادة والسرور إلى قلوب أفراد الجماعة ورفعت من معنويات رجالها. وكان أبو السعيد وضع خطته الثانية التي تقضي باحتلال مستوطنةٍ أخرى ذات أهمية خاصة، تقع في منطقة هامة وملتقى طرقات تربط ما بين بقية المستوطنات وبعضها في المنطقة, وإذا تم احتلالها سيكون ذلك بمثابة ضربة قاصمة ضدّ الأعداء, وبالتأكيد سيكون لاحتلال تلك المستوطنة أثرٌ هام وتأثير على سائر وجود الأقوام في المنطقة. بادر أبو السعيد ليدعو أفراد جماعته للقاءٍ هام في الغار والحديث إليهم حول الخطة حديثة العهد, خاصةً بعد الحصول على كمية جديدة من السلاح والذخيرة لا بأس بها.

  وحين سمع أفراد الجماعة بالدعوة لبّوها على عجل, دون إبطاءٍ ولا تأخير، وهم الذين يعرفون القيمة الحقيقة والأهمية العظيمة للوقت. وبعد أن اكتمل الحضور وتبادل الرجال أفضل التحيات بكل شوق وسرور, خطب أبو السعيد في الحضور بكل احترام ووقار، ودعا للجماعة بالحماية من عند ربه العزيز الجبّار, والتوفيق بالدفاع عن القرية والمدينة والمضارب والقفار, وأن يثبِّت الله أقدامهم وينصرهم في الأرض والسماء بالحق والعدل والاصطبار. ثم حدّث عمّا جاء به الرسول من الأسلحة والذخائر لتكون هذه في أيدي أفراد الجماعة بعد التدريب عليها خلال الأيام القريبة القادمة في هذا الجبل, وبعد ذلك تخرج المجموعات لتتصدى لعصابات الأقوام الغازية بسلاحٍ مناسب، وهي العصابات التي تتجول دون خوف في المنطقة داخل سيارات مصفحة، كما تخرج مجموعاتٌ أخرى لتضرب المستوطنة الهامة تلك وتحتلها إذا كُتب للخطة هذه النجاح وانتهت الأمور حسب ما كان موضوع لها بدون مفاجئات.

  وقد جاء أبو وليد بجِمالٍ إلى الغار تحمل على ظهورها الملح والدقيق والرز والعدس وزيت الزيتون وكذلك القهوة والشاي والسكر والتبغ للرجال الذين سيبقون في الغار وسفوح الجبل يتدربون على سلاحهم ويبقون في المنطقة هذه التي منها سينطلقون ليحاربوا الأقوام الغازية ما دامت هذه تدوس أرض الوطن وتشكِّل خطراً عليه.

  كانت تلك بداية ليلة شديدة الظلام حينما اعترض بعضُ رجال الشرطة من العرب الذين كان يخدمون لدى حكومة الانتداب البريطاني, تلك القافلة من الشاحنات التي يقودها أفراد من الأقوام الغازية وهي تسير متجهةً صوب الجنوب إلى المستوطنات، وقد اقتاد رجال الشرطة القافلة إلى مركزهم في وسط البلاد ودخلت إلى ساحته بهدف حجزها والتحقيق فيما تحمل من الشحنة. لكن لم يمضِ وقتٌ طويل حتى حضر أحد كبار ممثلي الأقوام الغازية في سيارته الخاصة إلى مركز الشرطة، وكان غضبه ملحوظاً شديداً على الإنجليز، وكأنه هو المسئول عنهم وأمرهم، واجتمع في الحال بالضابط الانجليزي الذي انصاع إلى مطلب رئيس هذه الأقوام وأمر فوراً بإخلاء سبيل الشاحنات وما تحمل, والسائقين ومن يرافقهم حتى بدون تفتيش والاطلاع على ما تحمله من بضائع وأسلحة تُنقل للمستوطنات على ظهر أكثر من اثنتي عشر شاحنة. وحين سأل أحد أفراد الشرطة من العرب عن سرّ الموضوع أجابه الضابط الإنجليزي المسئول بقوله: "نحن هنا نقوم بتنفيذ الأوامر بدون اعتراض ولا احتجاج, (سير)!".

يتبع...

   إطبع                                         أرسل إلى صديق

العودة إلى صفحة العناوين

 

مطلوب

مجلس حورة المحلي

 

 

 

 | أضفنا للمفضلة|    |  اجعلنا صفحة البداية |     | أسئلة وأجوبة |   | أحصل على الصحيفة عبر البريد | 

| مقاييس فنية |    | نماذج ضريبية |  

جميع الحقوق محفوظة لصحيفة أخبار النقب ©1988-2007