العدد  469     الثلاثاء 13/11/2007    3  ذي القِعدة 1428 هـ

قصة قصيرة/ بقلم منى الحبانين

طفولة

  عاد ذلك العصفور الجميل ذو الألوان الزاهية ليغرِّد على شجرة الزيتون في صباح يومٍ شتوي... سمعتُ طرقَ منقاره على النافذة... وسرعان ما قفزت من على سريري لأفتح النافذة..

  ما أن وددت أن أتحسسه برفق وهو يرتعد حتى قفز إلى أغصان الشجرة التي مالت أغصانها بشدّة، وتشبثت بالأرض كالروح التي تحب الوجود ولا تود الفراق والمغادرة..

  شعرتُ بتيارٍ يعبر إلى الغرفة، وشممت رائحة الثرى التي غمرت بمياه الأمطار الغزيرة طيلة تلك الليلة... ونظرتُ إليه بعيونٍ متوسلة... فقفز إلى غصنٍ آخر.. فصوّبتُ إليه نظراتٍ يشوبها العتاب الذي مُلىء بالمحبة والرأفة، فصفّق بجناحيه وابتعد بين السحاب.. فلوّحتُ إليه بيدي مودعةً وأغلقت النافذة.

  أحببت منزلي البسيط المصنوع من الصفيح حبّاً جمّاً, كان مبنياً على تلة عالية, وحددت تلك الطرق الملتوية المؤدية إليه حيث كان يحلو لي مشاهدة الأطفال وهم يحملون تلك القطع البلاستيكية ويتزلجون على تلك الطريق من أعالي التلة حتى الحضيض وسط التهليل والصفير والضحك الطفولي، الذي يعبر عن كبرياء وعزة وتلك الثورات من الغبار التي يتصاعد من وسطهم وحولهم.

  أحببت الطهارة والبراءة في الأطفال وتلك النظرات المتحدية أحياناً والغاضبة والمستسلمة... لذا كنت أستمتع وأنا أشاهدهم وهم يحومون حول منزلي على مدار فصول السنة، إذ أعجبهم موقع المنزل وتلك التلة... لذا أصبحوا كالاسطوانة التي أعشقها وأرهف السمع إليها كل مساء ... وأشعر بالضيق حين أقف على نافذتي وأجد المكان خالياً فيأتيني صدى أصواتهم من بعيد، فأحنّ إليهم وأشعر بداخلي صوتاً يود أن يهتف يناديهم فأرى أسرابهم مهرولة إلى تلتي.

  وكان ذلك اليوم الذي كانوا يتزلجون فيه على التلة كالعادة وهم يضحكون... حتى وصل أحدهم إلى آخر التلة.. فهرول هارباً حين رأى ذلك "الجيب الخضر" والأشخاص الغرباء الذين بداخله.. تجمعوا حول منزلي, حيث أعالي التلة في زاوية وعيونهم تدور حيارى.. طرقٌ قويٌّ على الباب, وورقة قاموا بلصقها على الباب وذهبوا... فتحتُ الباب لأجدهم كلٌّ يود أن يشرح لي ما حدث، وأناملهم تسبق أفواههم بشرح ما

حدث, كلٌّ يشير بأنامله إلى حيث تلك الورقة وذاك الجيب والأشخاص.

  إبتسمتُ لهم ابتسامةً شاحبة... عادوا للعب ثانية.. حين أشعرتهم ابتسامتي بالأمان وأنّ كل شيء على ما يرام.

  كان أمر هدم.. عليّ أن أنفذه بنفسي.. خلال يومين..., دارت نفسي في أرجاء منزلي وتلك التلة والأشجار.. "بحق الله أيودّون أن......", جلستُ جاثيةً على ركبتي حين تذكرت براءة الأطفال التي اتخذت من منزلي موقعاً لطفولتهم وصباهم.

  وجاء اليوم، الذي سمعتُ فيه طرق أنامل خفيف وصبياني.. فأسرعت أودّ احتضانهم، وما أن فتحتُ الباب حتى أشاروا لي بإشارات "تراكتور". أسرَعوا أمامي, فمرت تلك الآلة البغيضة لتمحو معالم الطريق، ولتعتلي التلة، وبين جدال وصراخ هوت تلك الآلة على الصفيح فأزاحته وحولته إلى ركام.

  جلس الأطفال قرفصاء يشاهدون ما يحدث وينظرون إليّ بنظرات: لماذا تتركينهم هكذا؟؟... كانت عيونهم تحوم وتدور مع تحركات الآلة.. وبعد أن غادروا ولم تعد هنالك معالمٌ لتلك الطريق الملتوية.. ولم يعد هنالك منزل... لم تبقَ سوى شجرة الزيتون.. جلستُ في ظلّها وخطرت لي فكرة, طلبتُ منهم إحضار حبالٍ وربطناها بأغصان الشجرة، وبدأوا يتمرجحون ببطء.. إبتسموا ابتسامةً لطيفة وسألني أحدهم: هل سيلصق ورقه على تلك الشجرة؟؟, طبعت قبلةً على خدّه وأجبته: لا.. لن يحدث.

  طرق منقار.. عصفوري الجميل ذو الألوان الزاهية عاد ليفيقني من حلم بغيض.. ركضتُ إلى الباب أتحسسه إن كانت تم لصق ورقة عليه.. تنفستُ الصعداء حين لم أجدها, فتحتُ النافذة على مصراعيها لأتنفس.. لأشعر أنه لم يكن سوى كابوسٍ يواكبني دائماً حتى يتم الاعتراف بوجودنا وحقّنا في أرضنا.

   إطبع                                         أرسل إلى صديق

العودة إلى صفحة العناوين

 

مطلوب

مجلس حورة المحلي

 

 

 

 | أضفنا للمفضلة|    |  اجعلنا صفحة البداية |     | أسئلة وأجوبة |   | أحصل على الصحيفة عبر البريد | 

| مقاييس فنية |    | نماذج ضريبية |  

جميع الحقوق محفوظة لصحيفة أخبار النقب ©1988-2007