العدد  470     الثلاثاء 20/11/2007    10  ذي القِعدة 1428 هـ

ابن القرية(36) قصة متسلسة بقلم: نوري العقبي

  إقترب الانجليز من وقت الرحيل عن الوطن وتأهبوا، ولكنّ هذا لم يكن قبل أن تمكنت عصابات الأقوام الغازية من احتلال الأماكن الهامة التي خلت من الاستعمار الانجليزي الذي تركها, وكان وعَدَ بها العصاباتِ الغازية وتآمر معها في اغتصاب وطن شعبٍ أعزل لم يكن حرّاً وحُرم من حمل السلاح والتدريب عليه دفاع عن النفس وعن الوطن بموجب قوانين عسكرية صارمة غاشمة وجائرة ظالمة.

  وفي ظلمة ليلٍ لا قمر في سمائه خرج الانجليز من الوطن، بعد أن خانوا الأمانة والبلد، وتركوا الناس في المدن والقرى وفي كل مكانٍ فريسة سهلة المنال تحت أيدي الأوغاد الآثمين من العصابات الغازية، هذا بعد أن مكّنوها من كل وسائل القتل والتدمير بدون قدر ولا حساب.

  أما الرجال من الجماعة فكانوا يخططون ويهاجمون ويقاومون بكل شجاعة وحزم، وهم الذين صمدوا في وجه تلك العصابات المدرَّبة تدريباً جيداً والمدججة بالسلاح، وكبّدوها خسائر كبيرة في الأفراد والممتلكات.

   لكن هؤلاء الأقوام كان باستطاعتهم ضرب أهداف كثيرة متفرقة من المجتمع، والتسبب في تهجيره من مدنه وقراه وبواديه، بعد نشر الخوف والذعر بين السكان، وهذا الذي كان فعلاً.

  لذا، رأت الجماعة أنّ من الأفضل تغيير طريقة الكفاح، خاصةً بعد مشاركة الطائرات في المعركة الأخيرة ضدّهم، فهم لا يملكون سلاحاً لصدّ ومحاربة طائرات العدو التي أصبحت تسيطر على سماء الوطن بدون خوف ولا منازع.

  حينها قرر الرجال أن يتوزعوا في مدنهم وقراهم وبواديهم، مجموعاتٍ صغيرة، كان الهدف منها تعبئة الجماهير وتشجيع المواطنين على عدم ترك البيت والأرض والوطن والنزوح, هذا الشيء الذي سيكون حتما كارثةً مؤكَّدةً لكنها مرفوضة, ويجب أن تكن مرفوضة من قبل جميع المواطنين أصحاب الوطن وأبناء هذا الشعب.

  لكن هجمات عصابات الأقوام الغازية اشتدّت وقويت وأصبحت ليلاً ونهاراً, وانتشر قتلُ المواطنين هنا وهناك وملأ الدنيا صراخاً. وكان الأمل حين دخل جيش الإنقاذ, لكن هذا الجيش كان الذي أقامه والمسئول عنه هو الغرب وعلى رأسه الانجليز، ولم تكن له وظيفةٌ ولا غاية سوى حراسة النفط وعرش من يحرس عليه. ويا حبذا لو لم يفعل جيش الإنقاذ ويدخل البلاد، لكان ذلك الأمر خيراً وأحسن وأيضاً أحب وأستر, حيث تحت رعاية جيش الإنقاذ وفوّهات بنادقه نزح الشعب, نزح المواطن عن أغلى ما يحب الإنسان ويملك, نزح عن الأرض والبيت والمقدسات, عن الوطن الذي وُلد الآباء والأجداد في أكنافه، وضم رفاتَهم ترابُه، ثم اندحر جيش الإنقاذ ليعود إلى قواعده سالماً وليحمي العرش، بينما مضت عصابات الأقوام الغازية في المهمة البشعة عدوة الإنسان, تقتل وتشرِّد, تهدم وتخرِّب القرى وتحتل المدن لتنهب خيراتها وتسكن بيوتها الجميلة بأثاثها وحدائقها وشوارعها.

  أما الأهل فقد أصبحوا في أطراف الوطن على حدودٍ جديدة، يعيشون حياة الذل والبؤس والهوان، في خيامٍ تمزّقها الرياح والأمطار, يموت الأطفال فيها مرضاً وجوعاً, لكنّ من نجا منهم يكون صلباً كصخر الصوان, والكبار يبكون واقعاً مرّاً، هذا الذي ضاع فيه حلم الإنسان الكريم الصبور, لكنهم ما زالوا ينتظرون وهم على العهد باقون مؤمنون.

  علم وليد من أبيه أن المدينة قد سقطت منذ يوم أمس في أيدي الأقوام الغازية الكفرة، وأنهم قد أذاقوا أهلها سوء العذاب وقتلوا من الشيوخ والرجال والشباب المئات الكثيرة، وذلك بعد أن حشروهم شر حشرٍ في ساحة المسجد الكبير ثم قذفهم رجال العصابات بكثيرٍ من القنابل اليدوية التي خلطت لحم الناس ودمائهم الزكية سوية.

  وقد أدرك وليد أن أباه لن يجتمع في مقهى الجماعة في المدينة الذي تعوّد لقاء زملائه من الجماعة فيه, ما دامت عصاباتُ الأقوام الغازية تحتل المدينة الجميلة بشوارعها وحدائقها ومدارسها ومشاريع المياه فيها، كما أيقن وليد أن بيتهم والأثاث الجديد فيه قد وقع في أيدي عصابات الأقوام الغازية وتتمتع الآن به أسرةٌ من أسرهم.

   لكنه سرعان ما قفزت في مخيلته صور زملائه من الطلاب في المدرسة من أبناء المدينة، وأيضاً رجالها, وتذكر كيف كان يمر عن هؤلاء الناس وهم في متاجرهم ليلقي عليهم أحسن التحيات وهم يردّون عليه بالمثل وبكل محبة واحترام، قائلاً في نفسه ومتسائلاً: يا ترى من منهم قُتل ومن بقي على قيد الحياة وشُرّد؟ وهل التشريد ونهب الممتلكات أقل جريمةً من القتل؟ قتل المواطنين في بيوتهم وساحات المساجد!.

   كانت الأفكار والهواجس في ذهن وليد تتصارع وقد أصبح خوفه على قريته وأهلها خوفاً شديداً قريباً منه.

يتبع..

   إطبع                                         أرسل إلى صديق

العودة إلى صفحة العناوين

 

مطلوب

مجلس حورة المحلي

 

 

 

 | أضفنا للمفضلة|    |  اجعلنا صفحة البداية |     | أسئلة وأجوبة |   | أحصل على الصحيفة عبر البريد | 

| مقاييس فنية |    | نماذج ضريبية |  

جميع الحقوق محفوظة لصحيفة أخبار النقب ©1988-2007