العدد  473     الثلاثاء 11/12/2007    1  ذي الحجة 1428 هـ

حديث الكبار

الحاج سلامة البطيحات يحدثنا عن الشتاء في زمانٍ مضى

بأسلوب شيق وعنصر قصصي رائع حدثنا بلهجته البدوية الأصيلة التي لم يعترِها خللٌ أو اعوجاج

أجرى اللقاء: هيثم الهواشله

  مع بدء موسم الأمطار هذا العام، وفي ضيافةٍ بدويةٍ تقليدية، بين دفء الموقد من جهة، ودفء الحنين إلى التراث والعادات من جهةٍ أخرى، أعددنا هذا التقرير، من خلال لقائنا بالحاج سلامه البطيحات من الغراء، الذي روى لنا كيف كان الناس يستعدّون للشتاء قبل حلوله، وكيف كانوا يقضون موسم الشتاء، ولم ينس أن يروي لنا بعض القصص والطرائف المتعلقة بهذا الموضوع.

 

الاستعداد للشتاء قبل حلوله

  يقول الحاج سلامه البطيحات: كان الناس يستعدّون للشتاء قبل حلوله استعداداً كاملا كي لا يتعرضوا لمخاطر الشتاء المتوقعة، فيحضّرون أولاً البيت (الشقاق) ويبدّلون ما أبلاه الزمن، ويجدّدوه ليصبح في أتم وأقوى شكل، ويتفقدون الحبال والأوتاد التي يُربط بها البيت المخصص للشتاء، حيث يسكن البدو بيتاً في الشتاء وبيتاً آخر في القيظ (الصيف). البيت الرسمي الذي يحظى بعناية كبيرة هو بيت الشتاء، ومركبات وخصائص كل بيت تختلف لتراعي أحوال الطقس المختلفة في الفصلين. فبيت الشتاء هو بيتٌ سقفه منسوج من شعر الماعز، وجوانب البيت منسوجة من صوف النعاج، والسرّ في ذلك أن شعر الماعز فيه مادة دهنية عازلة للماء على الرغم من أنه منسوج من خيوط، لا يُدخل للبيت أي قطرة ماء.

  أما بالنسبة للمؤونة، فكان البدو يسافرون إلى غزة أو الخليل لإحضار كل ما يلزمهم ويكفيهم طيلة فصل الشتاء، كي لا يضطروا إلى السفر في الشتاء والتعرّض لمخاطر الطريق من سيولٍ وأمطار وبرد وثلج. وكان أهم ما يجلبونه من المواد التموينية القهوة والطحين والسكر والشاي وبعض البقوليات كالعدس والمديدة، وكانوا يشترون كذلك الملابس الشتوية.

 

قبل الرحيل

  قبل أن يرحل رجل البادية من موطنه في فصل الصيف إلى المكان الذي يشتّي فيه، يقوم ببذار أرضه وحرثها بالأدوات البسيطة المتوفرة، حيث كانت الحراثة تتم على الحمير والجمال بالمحراث ذي السنّ الواحدة (الفرد).

  وإذا كانت هناك بعض الأشياء التي لا يستطيع حملها أو يريد إبقائها لفصل الشتاء فكان يضعها في المُغُر (المغائر) أو يقوم بدفنها. ومن الأشياء التي كانت تُدفن جرارُ السمن، فكان الرجل يحفر حفرةً ويقوم بتطيينها برماد النار (السكنة) كي لا تصل الرطوبة إلى الجرة، ثم يغطيها بالطين والتبن ويضع عليها علامةً حتى يعرفها إذ رجع بعد انقضاء الشتاء.

 

الرحيل

  يضع البدوي بيته المكون من الشقاق والحبال والأعمدة والأوتاد على الجِمال، ويرحل إلى المكان الذي سيقضي فيه أشهر الشتاء القارصة. وتبدأ حينها عملية البحث عن الأماكن المنخفضة التي يتقي فيها سخط الرياح الشديدة والعواصف العاتية، في الوقت الذي يجب أن يكون فيه حذراً من أماكن السيول الجارفة، وتسمى الأماكن المناسبة للسكن في الشتاء "العدن"، وهي الأماكن المنخفضة المستوية.

 

فترة الشتاء

  يُعتبر بيت الشعر مبيتاً للبدوي ولأغنامه في نفس الوقت، وهذا هو السبب الرئيس الذي يجعل البدوي يفضل بيت الشعر على البيوت المبنية من الحجارة، لأن "الحلال" يدخل ويخرج من الخيمة بشكلٍ أسهل، كما أن بيت الشعر الذي يسهل نقله من مكان إلى آخر يجعل الإمكانية قائمةً أمام تغيير مكان البيت وتجديد محله في مكانٍ نظيفٍ من زبل الغنم.

 ويقول الحاج سلامة إن زبل الدواب كان لا رائحة له، لأن ما تأكله هو طبيعيٌّ من الأعشاب والأشجار البرية، ويضيف إن بيوت الشعر كانت تكلف البدو أكثر مما لو أرادوا السكن في بيوتٍ من الشعر، لأن بيوت الشعر بحاجةٍ دائماً إلى تجديدٍ وترقيع وخياطة وعناية مستمرة.. "ولا أذكر أن الرياح أسقطت بيتاً من بيوتنا بسبب تمكيننا لها، وما أذكره هو سقوط أحد البيوت بسبب كثرة الثلج المتراكم عليه"  ويستدرك: "النار الموقَدة في البيت عادةً التي هي التي تذيب الثلج المتراكم عليه".

  ويحكي لنا الحاج سلامه قصةً في هذا السياق، فيقول: "يُحكى أن أحد الرجال في إحدى ليالي الشتاء القارص، قام بذبح ربيط (خروف صغير) بعد العشاء وطبخه حتى كاد يستوي، ثم نادى بصوتٍ عالٍ: يا هابّين الريح، أي أن بيته قد سقط، ولم يحضر إلا رجلٌ وامرأة. فلما حضروا وجدوا أنّ البيت لم يحصل له شيء، وعرفوا أن في الأمر سرّاً. قال لهم اجلسوا، وقد استوى القدر، فتعشوا وأكلوا لحماً لذيذاً جزاء استعدادهم لمساعدته في هذا الظرف العصيب، ثم رجع كلٌّ إلى بيته"!!.

  أما الأكلة المفضلة في الشتاء فهي فتة السمن بالعفيق، أو فتة اللحم. ومن أهم الضروريات التموينية في البيت توفر الطحين والقهوة والحلال للذبح، أما بالنسبة للقهوة فهي جزء أساس وشيء لا يُستغنى عنه في بيت البدوي، وتعتبر جزءاً من تراثه العريق، فهو يفتخر بطحنها وطبخها ويعتبرها عزّاً وشرفاً له، وناره لا تنطفئ فترة الشتاء بأكمله.

  ويروي لنا الحاج قصةً أخرى فيقول: "إن رجلاً رحل من موطنه الشتوي إلى موطنه في الصيف وقد نضج الزرع، فلما بنى البيت وإذ بالهجانة (الضيوف) مقبلين، فاختلف وتغيّر لون وجهه لأنه لم يكن لديه خبز، فلما وصلوا رحّب بهم وأجلسهم، وأحست امرأته ما به فنادته وقالت له: (سوِّ بكرجك وشاتك وما يخصك -بالنسبة للخبز-). فقام بذبح الشاة وطبخ القهوة في الوقت الذي قامت امرأته بحصد بعض السبل من الزرع وطحنته على الرحى، فلم يستوِ اللحم إلا والخبز قد جهز فقدم لهم اللحم وأكرمهم بسبب شهامة امرأته".

  ويلبس البدو في الشتاء (الفري) وهو جمع فروة، وهي مطرزة من صوف الطليان الرمسيات (الخراف الصغار)، والجوخ جمع (جوخة) وهي عباءة ثقيلة مطرزة من الصوف أيضاً.

 

ماء في الشتاء

  يسهل على أهل البادية الحصول على الماء في الشتاء، فالحصول عليه أقل عناءً من الشتاء بسبب وجود البرك في المناطق المستوية وفي الأودية بعد السيول، وكانت المياه نظيفةً لأن الأرض بالأصل كانت نظيفةً لا توجد فيها أوساخ كهذه الأيام، وكان يمكن استعمال المياه للبيت وللشرب ولسقي الأغنام كذلك.

  وفي آخر الشتاء عند انقطاع الأمطار يزرعون المقاثي (السدّات) بعد أن تمتلئ بالمياه عدة مرات في الشتاء، فيحرثونها ويزرعونها بالبنادورة والفقوس والبطيخ والشمام والقرع وغيرها من المزروعات، وجميعها بعلاً أي تُسقى من المياه التي شربتها التربة.

 

قصص تاريخية  بدوية حدثت في الشتاء

*  في إحدى السنوات بعد دخول إسرائيل بفترة قصيرة أذكر أن هطول المطر استمر شهراً كاملاً بدون انقطاع. كنا حينها نسكن في منطقة أم خشرم، وكان الغلاء فاحشاً قبل سقوط المطر. وبعد مرور هذا الشهر وما جاء به من الخير الكثير ارتفعت أسعار الدواب ليصبح سعر الجمل أربعة أضعاف سعره قبل شهرٍ واحد فقط، لكثرة الأعشاب التي نبتت والخير الذي عمّ الناس.

 

* وحدث في إحدى السنين أن بعض الذين رحلوا من المنطقة بحثاً عن المرعى قرب الرملة أدركهم الشتاء هناك ولم يكن لهم مأوىً يكفيهم ودوابهم، فوافق بداية الشتاء ثلجٌ وبرد شديدان قتل عدداً كبيراً من دوابهم، حتى أنهم كانوا يصنعون من الدواب الميتة حوشاً وصيرةً للدواب الحيّة!!.

 

* ويحكى أن إحدى العشائر البدوية سكنت في وادي العريش في أول المشتى، وفي هذه العشيرة كان هناك رجل متقدم في السن. رأى هذا العجوز فأراً ينقل أولاده من الجحر في الوادي إلى خارج الوادي، فقال لجماعته ارحلوا من الوادي. بعض الناس سمع كلامه ورحل معه إلى خارج الوادي والبعض الآخر لم يستمع له. وفي الليل جاء سيلٌ عارم أخذ كل الذين بقوا في الوادي ولم يُبقِ لهم أثراً.

   إطبع                                         أرسل إلى صديق

العودة إلى صفحة العناوين

 

مطلوب

مجلس حورة المحلي

 

 

 

 | أضفنا للمفضلة|    |  اجعلنا صفحة البداية |     | أسئلة وأجوبة |   | أحصل على الصحيفة عبر البريد | 

| مقاييس فنية |    | نماذج ضريبية |  

جميع الحقوق محفوظة لصحيفة أخبار النقب ©1988-2007