العدد  473     الثلاثاء 11/12/2007    1  ذي الحجة 1428 هـ

إبن القرية (38)

قصة متسلسلة/ بقلم: نوري العقبي

   كان الليل طويلاً، وظلامه شديداً، والبرد في تلك الليلة قارصاً، حين أطلّ الفجر على القرية، وصاحت الديوك في أقنّتها، ونبحت الكلاب.

  وبينما الديوك تصيح والكلاب تنبح في جوقةٍ قائمة مستمرة, سمع أبو وليد باب بيته يُقرع.

   قال في نفسه متسائلاً: أمرٌ غريبٌ هذا!. لم يكن أبو وليد على موعدٍ في هذه الساعة مع أحد, فأخذته الحيرة بل الخشية بعض الشيء، وحمل بندقيته في يده وسار نحو مدخل البيت بخطىً ثابتة. لكنه، وقبل أن يبلغ المكان، سمع الرجل القارع من خلف الباب يصيح بصوت عالٍ، وكأنه يريد بذلك الصوت طمأنة أهل البيت، وهو يقول: أنا أبو السعيد!. ولما سمع أبو وليد صوت أبي السعيد نكّس بندقيته التي كانت في يده ممدودة، وعلقها على كتفه اليسرى، وعلى باب البيت التقى الرجلان والكل منهم يحمل سلاحه على كتفه، وتعانقا عناقاً حارّاً ثم دخلا البيت.

   وفي الحال أشعل أبو وليد النّار للتدفئة ولصنع القهوة، وكان أبو وليد يتلهّف كثيراً وينتظر بفارغ الصبر سماع أخبار الجماعة التي لا بدّ أن أبا السعيد قد جاء بها حقيقة مؤكدة.

  ولما نظر أبو وليد إلى وجه أبي السعيد والتقت العيون بالعيون، فهم الأخير ما يريده أبو وليد، وبدأ يحدث ما لديه من أخبار، وكان بودّه أن تكون دائماً أخباراً سعيدة سارة لكنها كانت غير ذلك، والحال يختلف، ولم تكن كما يجب، حيث تفرقت الجماعة وأصبح اللقاء فيما بين أفرادها عسيراً وخطيراً بل شبه مستحيل، كما فقدت الجماعة كل سلاحها القليل الثقيل الذي استولت عليه الأقوام الغازية حينما احتلت المدينة.

  لكن أبا السعيد كان يظهر عليه الابتهاج حين تحدّث قائلاً: عادةً تنجب الأمهات الأبطال، ونحن نرجو ذلك، حين قدّر الله وأنجبت بدرية أرملة الشهيد عبد الله صبياً أسمته عبد الله الثائر.

   سُرّ أبو وليد كثيراً بالمولود وحمد الله شاكراً كرمه وعطاءه، ودعا وابتهل أن يحفظ عبد الله الثائر هذا ليكبر ويكون جندياً في جحافل العائدين للبيت لطرد الأعداء من الأقوام الغازية ومن كل أرض الوطن وسمائه.

   وقد علم أبو وليد أن الجموع من أبناء الوطن يسكنون الخيام في شرق الوطن وغربه، وأن بدرية أم عبد الله الثائر تسكن أيضاً في خيمةٍ نُصبت بين خيام الأهل والأخوة من المواطنين الذين طُردوا من ديارهم، وهي كالبقية تقاسي من البؤس والمذلة والهوان.

   كان هذا اللقاء الذي تم في ذلك اليوم بين الرجلين أبي السعيد وأبي الوليد لقاءاً هاماً، حيث تبادل الرجلان الآراء وطرح الخيارات وكان بينهم الحديث الآتي:

أبو السعيد: كنا جندنا كل ما لدينا ونملك وقاومنا بكل بطولة وقوة لكننا لم نفلح، لأنّ التوازن كان مفقوداً بيننا وبين الأقوام الغازية، ولذلك خسرنا معركة, لكننا لم نخسر أبداً ودائماً.

أبو وليد: إذاً, ما دام الإيمان بالحق قوياً لدينا فإن الغلبة في النهاية ستكون إن شاء الله لنا.

أبو السعيد: نعم، ولكن ذلك يتطلب لم الشمل ووحدة الكلمة والتربية الوطنية الصحيحة الصادقة والعطاء والتضحية.

أبو وليد: أعتقد أن الكلام عن لم الشمل في هذه الظروف أصبح صعباً، حيث الغالبية من المواطنين مشردين معدومي القدرات من كل نواحي الحياة تقريباً، أما مصيرنا نحن الأقلية الباقية فغير معروف ولا ندري أين ستسير بنا الأمور؟.

أبو السعيد: إني أتحدث عن لم الشمل لهؤلاء المشردين الذين أصبحوا لاجئين ومنهم تُشكل نواة  للثورة الدائمة حتى النصر والعودة, أما أنتم الباقون تحت رحمة الأقوام الغازية نقترح عليكم مهادنة هذه الأقوام، ربما تستطيعون البقاء في قراكم، وهذا يكون في مصلحة القضية، ولهذا يجب عليكم ممارسة الحنكة السياسية ربما تنجحون.

أبو وليد: الأمل هنا ضعيف جدّاً لأن هذه الأقوام الغازية جاءت لتمارس العنف والعنصرية بشراسة وبكل دهاء ورياء, ومع هذا كله سنبحث عن سبلٍ لمهادنتهم والتحدّث إليهم لعل وعسى أن نتمكن من البقاء في الوطن حتى يحكم الله بالعدل!.

  وهكذا اتفق الرجلان أن يعمل كلٌّ منهما من موقعه وفي محيطه، للحفاظ على ما يمكن الحفاظ عليه, ولتبقى القضية على المحك لا تموت أبداً حتى ولو طالت.

  إتفق الرجلان أن يلتقيا في كل حين تكون فيه الفرصة متاحة. وفي المساء بعد العشاء خرج أبو سعيد في طريقه إلى مخيم اللاجئين بعيداً هناك في الجزء الغربي من الوطن، بعد أن حمّله أبو وليد هدية لعبد الله الثائر وأمه وهي عبارة عن قطع من الذهب العثماني.

يتبع..

   إطبع                                         أرسل إلى صديق

العودة إلى صفحة العناوين

 

مطلوب

مجلس حورة المحلي

 

 

 

 | أضفنا للمفضلة|    |  اجعلنا صفحة البداية |     | أسئلة وأجوبة |   | أحصل على الصحيفة عبر البريد | 

| مقاييس فنية |    | نماذج ضريبية |  

جميع الحقوق محفوظة لصحيفة أخبار النقب ©1988-2007