العدد  474     الثلاثاء 18/12/2007    9 ذي الحجة 1428 هـ

تجاوزا العقد الثامن من عمرهما

الحاج "أبو معيلق" وزوجته ... حكاية لجوء تروى ما طوته السنون من الذكريات والجراحات

غزة/رامي رمانة

 

تجاوزا العقد الثامن من عمرهما، وتقاسما سنوات الحياة بمرها الكثير والقليل من حلوها، ورغم ذلك ما زالا يسكنان في ضمير الوطن ولوعة الحكاية الفلسطينية، التي لم تنته بعد، فبعض فصولها مغموس بالجراح والآخر يرسم الأمل على جبين الليل الحالك علَ نور الفجر آت.

  عندما التقيتهما... أدركت حينها أن الشيب الذي يرسم ملامح وجههما، ليس من ألوان الزينة وإنما من أوراق الحياة وحنائها الأبيض!! كان لقائهما يزهو بالحنين إلى أيام الطفولة، ويذيب عن أسوار القلب ما علق عليها من بارود الأيام الأسود، فكتبت قصتهما على ورقٍ من أنين، بحروف من ألمٍ، وحبرٍ من أمل... إنهما اللاجئان فارس علي أبو معيلق وزوجته من قرية أبو معيلق في منطقة المشدّة في قضاء بئر السبع. 

أدراج الريح

  "لقد ترك والدي الأرض في بئر السبع رغم أنفه، وذهب كل ما يذكرني بطفولتي أدراج الريح، فلم تعد أشجار البرتقال والتين وكروم العنب نختبئ خلفها وسنابل القمح، بل أصبحت صوراً من الماضي أمام أعيننا، نتذكر البعض منها عندما نجتمع مع أبنائنا وأحفادنا في جلسة سمر"، بهذه العبارة بادرنا الحاج أبو سليمان  أبو معيلق "86 عاماً" من سكان مخيم المغازي وسط قطاع غزة حديثه عن ماضيه.

  ويضيف: "كنت من الطلبة المجتهدين، في مدرسة بئر السبع التابعة للحكومة البريطانية، وهي مدرسة مخصصة لأبناء المخاتير وأصحاب المقامات الرفيعة. كنا نمكث فيها مدة ما بين ثلاثة إلى أربعة أشهر، ثم نعود إلى أهلنا لقضاء الإجازة المدرسية"، مشيراً إلى أنه أنهى تعليمه لغاية الصف السادس الابتدائي عام 1936، بعد أن نشبت ثورة الفلسطينيين ضد الانتداب البريطاني وأعلنوا إضرابهم العام إلى حين أن تبدِّل الحكومة البريطانية سياستها المنحازة وتوقف الهجرة اليهودية إلى فلسطين، لافتاً إلى أن الثوار الفلسطينيين أحرقوا السرايا الحكومي القريب من مدرستهم، مما دفع بإدارة المدرسة إلى إغلاقها وترحيل الطلبة إلى بيوتهم.

موتور الماء

  ويتابع: "منذ هذه اللحظة تغيرت الأحوال وبدأت الحروب تدب في أوصال النقب وبقية الأراضي الفلسطينية، فاتجهت إلى العمل داخل الأراضي الزراعية التي نملكها، فتعلمت إضافة إلى الحراثة تصليح موتور الماء المغذي للأراضي بالمياه، مشيراً إلى أنه مازال يحتفظ حتى هذه اللحظة "بكتالوج" الموتور الذي اشتراه من مدينة يافا.

  وقبل الخوض بتفاصيل النكبة التي حلت بالفلسطينيين ذهبنا مع الحاج أبو معيلق إلى أجمل الذكريات التي ما تزال تراوده في منامه ومخيلته. يقول: "أذكر يوم زفافي، حيث كنت آنذاك أبلغ نحو 20 عاماً، فكانت الأفراح تدوي أرجاء المنطقة قبل أسبوع من بدء ليلة الزفاف، وأذكر أن العائلة نصبت الخيام المصنوعة من الشعر مسافة خمسين متر، في حين ذبح رجال العشيرة نحو 65 من رؤوس الأغنام والماعز، إضافةً إلى عجل، مشيراً إلى أن عائلته كانت تمتلك نحو أحد عشر ألف وخمسمائة دونم زراعي إضافة إلى عدد لا بأس من الأغنام والمواشي والخيل والجمال.

سليمان

  كما يتذكر الحاج أنه عندما رزقهم الله بمولوده الأول سليمان، كانت الأفراح والمناسبات الجميلة ترافق العائلة، مشيراً إلى أن سليمان الآن موجود في ليبيا ولا يستطيع العودة إلى فلسطين، موضحاً أنه عندما هاجر إلى غزة، ذهب ابنه سليمان إلى مصر في عهد الرئيس جمال عبد الناصر لإكمال دراسته الجامعية ولكن عندما أحصت إسرائيل الفلسطينيين لم تدون اسمه، ولم تسمح له بالعودة، فاضطر إلى الانتقال إلى ليبيا للعمل، وأصبح أباً ولديه أبناء.

  كما يشير الحاج إلى أنه يقطن الآن مع عائلته في مخيم "المغازي" الذي تشرف عليه وكالة غوث وتشغيل اللاجئين "الأنروا"، مشيراً إلى أنه لديه ابن آخر في السعودية وثلاثة آخرون يعيشون معه في نفس البيت، إضافةً إلى ثلاث بنات متزوجات ولديه العديد من الأحفاد.

حديث النسوة

  وتشاركنا الحاجة أم سليمان التي تصغر زوجها بخمسة سنوات الحديث وتقول: "متى تعود تلك الأيام الجميلة، الأيام التي لم نعرف فها الحصار والمرض والفقر ؟؟!!، حيث كروم العنب وأشجار الزيتون والتين، مشيرةً إلى أنها تتذكر صناعتها للجبن الأبيض تحت أشعة الشمس بعد حلبها المواشي، والسمنة البلدية التي تخزنها في الصفائح، كما تحنّ إلى حديث النسوة من الجيران أثناء غزلهما بيوت الشعر من صوف الماعز.

  وأشارت إلى أن عائلتها استبدلت بيوت الشعر ببيوت مصنوعة من الطوب والباطون، حيث أنها استعانت بمهاجرين أجانب جاءوا إلى فلسطين ولديهم الخبرة في الهندسة المعمارية وتقول: "قام زوجي وإخوته الخمسة ببناء عدة غرف وديوان للضيافة إضافة إلى مجموعة من المحلات التجارية".

  وتضيف: "عندما كنا نود اقتناء بعض الحاجيات الأساسية نقصد مدينة غزة حيث سوق الشجاعية أو إلى مدينة خانيونس جنوب قطاع غزة، وأحياناً مناطق في النقب".

جدار من الطوب

  ونعود إلى النكبة التي ألمت بعائلة أبو معيلق وغيرها من العائلات الفلسطينية، حيث يقول الحاج: "إن جماعات اليهود المتطرفة وبعد جلاء الانتداب البريطاني عن فلسطين، بدأت بغزو القرى والمدن الفلسطينية، وكانت تطلق الأعيرة النارية تجاه الآمنين، مما دفع بالعائلة إلى بناء جدار من الطوب كي يحمي منازل القرية من رصاص المستوطنة التي أقيمت على مقربة من المكان".

  ويضيف: "عندما اشتدت وتيرة العنف اليهودي وارتكابهم مجازر بحق الفلسطينيين، اضطررنا إلى جمع ما استطعنا جمعه من أمتعتنا والرحيل إلى منطقة  أكثر أمناً وهي منطقة "أبو مديّن" في بئر السبع، ولكن الأحداث لم تهدأ سيما بعد مباغتة الجماعات اليهودية لنا وتهديدنا بالقتل إذا لم نرحل عن المكان"، مشيراً إلى أن العصابات اليهودية سرقت كل ما كانت تملكه العائلة من رؤوس الأغنام والخيول والجمال ولم يعد بمقدورهم سوى الرحيل إلى قطاع غزة، فنزلوا عند منطقة المقبولة إلى الشرق من مخيم البريج وسط قطاع غزة، ثم استقر بهم الحال في مخيم المغازي.

 

لم أعمل مدرّساً

  ويقول الحاج أبو سليمان الذي يلبس عباءته البنية لتقيه من شدة البرد: "عُرض عليّ العمل كمدرس في "وكالة الغوث" أثناء هجرتي للقطاع لكنني رفضت لأنني كنت على يقين بالعودة إلى بئر السبع في غضون أيام معدودة، ولم ندرك أن الأمل ما زال حتى هذه اللحظة". ويضيف: "مازلت أحتفظ بالأوراق التي تثبت ملكيتي لأرضي في بئر السبع، حيث أنني أملك أوارق ضرائب العشر على الأراضي الزراعية التي كنت ادفعها للحكومة البريطانية في صندوق داخل منزلي".

   إطبع                                         أرسل إلى صديق

العودة إلى صفحة العناوين

 

مطلوب

مجلس حورة المحلي

 

 

 

 | أضفنا للمفضلة|    |  اجعلنا صفحة البداية |     | أسئلة وأجوبة |   | أحصل على الصحيفة عبر البريد | 

| مقاييس فنية |    | نماذج ضريبية |  

جميع الحقوق محفوظة لصحيفة أخبار النقب ©1988-2007