|
أنا عَرَبيُودي. وأتكلّم
العِِرْبِيّة
(عِربية- خليط بين العَربيّة والعِبريّة)
بقلم:
كمال أبو كف
سُئلتُ ذات يومٍ عن انتمائي وهويتي فبُهتّ. انتابتني عاصفةٌ
من الأفكار والتساؤلات: هل أنا بدوي؟ هل أمتّ بصلةٍ
للمجتمع البدوي؟ ماذا أعرف عن التاريخ والحضارة البدوية؟ من هم البدو؟ ومن أين
وكيف أتوا؟ من أنا..!؟
تساؤلات كثيرة أشغلتني وأقلقت
بالي وقضت مضجعي.. وإجاباتٌ كثيرة تطايرت في مخيلتي.
أنا بدوي بالفطرة، أعرف الفنجان والقهوة السادة منذ نعومة
أظفاري, أعرف السعن والرحي والصِّميل والخُرج وبَيت الشعر واللباس البدوي,
المرير والكبر والعباة, ألقي الأشعار بسليقةٍ سليمة، لا يغيب عني ضيفٌ طرفةَ
عينٍ طالما كان على بعد كيلومتر واحد أو أكثر عن بيتي, أحترم الكبير وأوقر
الصغير, أحفظ الأغاني والأشعار البدوية, أجيد فن الدحية وفن الإبداع.
أتكلم اللهجة البدوية وأفتخر بها
وأستعملها في كل مكان أذهب إليه, أنا ابن الجمل والناقة ما كل الناس تعرفني,
أربي المواشي والإبل, أفلح الأرض, أحترف فن ركوب الخيل والهجن لا ينافسني فيها
منافس, تاريخي وأصلي وفصلي أذكره جيداً.. أذكر أصل البدو وحروباتهم وانتصاراتهم
وهزائمهم.. ألم يأتوا بعد حرب الاستقلال بعد جمع
الشتات!؟ ألم ينتصروا على أعدائهم المصريين في حرب
الستة؟ وهزيمتهم سنة 1973!؟ نعم أذكر ذلك كله
وأحفظه عن ظهر قلب!.
هل أنا مسلم؟ فأنا أعرف الله وأصلي على النبي وأواظب على
الصلوات الخمس, أعرف التشهد والصلاة الإبراهيمية, أعرف أركان الإسلام وأركان
الإيمان والكتاب والسنة والأحاديث الشريفة والأحاديث القدسية, أعرف السيرة
النبوية والحروبات والخلفاء الراشدين والتابعين وتابعيهم إلى يوم الدين!
كل ذلك بفضل مدارسنا ومناهجنا التي توسِّع وتفصِّل
وتعطي هذا الموضوع حقه وتفرغ الساعات في هذا المجال, أطال الله في عطائها وأمدّ
في عمرها وكرّم الله ساحاتها! اللهم لا تحرمنا منها
وعطاءها واغفر لمقرري مناهجنا كلهم وارحمهم واعف عنهم وأدخلهم الجنة يا الله يا
أرحم الراحمين!..
لكن يا ربّ.. يا من تقول "أدعوني أستجب لكم" نريد أن تستجيب
أمنية واحدة فقط, حتى نصبح بأتم المعرفة بديننا القويم, واحدة فقط لا غير وهي
أن تزداد دروس الدين في مقرراتنا حتى تتساوى بدروس التناخ المقررة في المناهج
يا أرحم الراحمين, يا غفور يا ستار يا رحيم..!.
هل أنا عربي.. ؟ فأنا أعرف الألف والبيت إلى التاف! أتكلم
العِربيّة منذ الفطرة, ثقافتي -إن كانت لي ثقافة- أستوحيتها من يديعوت ومعاريف
وهآرتس.. أستمع لأغانٍ راقية: لاما لو؟ أت مسوفيفيت
أوتي وأني حاي!!!.
تاريخي أعرفه وأذكره جيداً, أعرف مصطفى كمال أتاتورك, معاهدة
سايكس بيكو, وعد بلفور, حرب الاستقلال وحرب الأيام الستة وحرب لبنان وتاريخ
الصهيونية, سوى ذلك لا أذكر شيئاً!!.
هل أنا يهودي... ؟ فأنا أتكلم العِبرية بطلاقة, "بالمفتاة",
ألفظ الغين بدل الريش, وأشدّد البيت, أقرأ جميع الجرائد العبرية الصباحية
والمسائية والليلية, أشاهد البرامج وأستمع للراديو فقط باللغة العبرية, بل
وأتكلم في المجالس, في السوق, في البيت, في المسجد, في كل مكان باللغة العبرية.
أعرف الكثير والجديد من الأغاني العبرية.. آخر
صرخة! أحتفل بجميع الأعياد وأنتظرها بفارغ الصبر, أعرف تاريخ الصهيونية
بحذافيره, أعرف حقهم في هذه الأرض منذ خلق الله الخليقة وعندما التقى آدم بحواء
قال لها إن هذه الأرض ملك لهم فوافقت بل لم يكن من حقها أن توافق, هذا حقهم قبل
وبعد آدم وحواء إلى يوم الدين!.
******
صاح صائحٌ من داخلي بالإجابة: أنا عربيودي, أتكلم العِربيّة,
درستُ التناخ, أعرف عن تاريخ هرتسل والصهيونية أكثر مما أعرفه عن نفسي, أعرف
وعد بلفور وسايكس بيكو وجمع شتات اليهود والاستقلال ودحر الأعداء عام 1948 وحرب
الأيام الستة، وأحتفل بعيد الأضحى والغفران والمظلة والفصح والأنوار والفطر..!
ترى هل أحسنتُ ووُفقت في الإجابة يا... ويا
شباب؟؟!!. |