|
الشباب البدو..
طموحات وتحديات.. بقلم: عادل العزازمة- الضفة الغربية
في ظل هذه التغيرات السريعة التي ما تركت شيئاً إلا وغيرته بل
وعبثت بكل شيء، في عصر الثورة المعلوماتية وسرعة الاتصالات التي يمكننا أن
نختصرها بمصطلح "العولمة" التي غيّرت الكثير من عادات وتقاليد الشعوب في
العالم، وما لها من تأثيرات على الإنسان، وخاصة البناء الداخلي للفرد، أي فكره
وتقاليده المترابطة ببنائه الداخلي المتوارث جزءاً منه والجزء الآخر نتيجةً
لاحتكاكه المباشر بالبيئة التي حوله.. لأجل هذا وذاك قررتُ ونحن في القرن
الحادي والعشرين أن أفتح الباب على مصراعيه أمام سؤال يدور في ذهن الكثيرين من
الشباب، لا وبل في ذهن الكبار أيضاً حول فئةٍ هامة في هذا الشعب العربي، ألا
وهم البدو، والسؤال: من هم البدو في ظل العولمة؟ وما هي التغيرات التي طرأت على
نمط حياتهم؟
من المؤكد جداً أنه يخطر ببال
الكثيرين من الناس الذين يجهلون البدو وحياتهم وعاداتهم وتقاليدهم، فيقولون:
البدو هم سكان الصحراء الذين يعيشون على منتجات الماشية ويتنقلون بها طلباً
للكلأ والماء. فهذا الجواب تعلموه في المدارس وما شابه.
ولكن هذه العبارة لم تعد تفِ لا بل لم تعد تبيِّن مـن هـم البدو، وخاصة
في هذه الأيام حيث أُهمل جانبٌ كبير من العادات والتقاليد التي تميزت بها
البيئة البدوية.
ولو قمنا بمقارنة بسيطة بين
الماضي والحاضر لتبين لنا الكثير من الاختلاف، حتى لو كانت هذه المقارنة جزئية.
البدو الذين كانوا يسكنون بيوت الشعر، أصبح معظمهم يسكن بيتاً من الصفيح أو
الحجر، لا بل تجمَّع بعضهم قسراً أو طوعاً في مدنٍ وقرى مثلما حصل لبدو النقب
الذين سكنوا في مدينة رهط وغيرها من التجمعات
السكنية على سبيل المثال لا الحصر، والتي أثرت بالتالي على نمط حياتهم. فالإبل
والخيل لم يعد لها متسع أمام هذه الثورة الصناعية من سيارات وغيرها، أما القهوة
العربية التي ارتبط اسمها مع البدو فحينما يُذكر اسم القهوة لا بد أن يخطر ببال
الناس البدو... وطرقهم المميزة في عملها.
ناهيك عن ليالي السمر حول موقد
النار الذي لم يعد يناسب الكثيرين من شباب البدو اليوم، بل أصبحت لهم طرق خاصة
في السهر وقضاء الوقت، فهذا جزءٌ من تأثيرات التغيرات الحديثة على الشباب
البدو... أي هذا من الحبل طرفه.. واسحب ما شئت!.
وبذكر بعض العادات والتقاليد البدوية الأصيلة، وأنا شخصياً
لست من دعاة الجمود، فلا أنظر إليها سوى كحقائق نعتز بها جميعاً، فهي تعتبر
الإرث الحضاري للرجل البدوي، لأن البدوي في الحقيقة لا يترك إرثاً حضارياً
بيئياً مؤثراً في الطبيعة مثل بعض البنيات الشاهقة في السماء أو بعض التماثيل
الأثرية، بل إن تلك العادات والتقاليد التي تميزت عن غيره هي تعتبر الإرث
الحقيقي للبدوي.
إذاً هي عاداتٌ وتقاليد تستحق
المحافظة عليها وجعلها تتمحور مع التغيرات العالمية، لا التخلي عنها بكل بساطة،
مع أن أجدادنا حافظوا عليها من زمن طويل، ونحن الآن نترك تلك التغيرات تغير
جزءاً منها والجزء الآخر يفقد.
وما حصل في النقب يعتبر مشكلة كبيرة لعاداتنا وتقاليدنا من
سكن في بيوت من الصفيح وغيرها من الأشياء التي لا تتناسب مع حياتنا البدوية،
وحال البدو الذين يسكنون الضفة الغربية وقطاع غزة لا يختلف كثيراً، حيث أن
قسماً كبيراً منهم واصل حياته في القرى والمدن التي احتضنتهم، والجزء الآخر
يعيش على أطراف القرى والمدن، رغم مرارة العيش وقسوة جنود الاحتلال ومستوطنيه.
وبعد هذا العرض على التغيرات التي
أصابت المجتمع البدوي وخصوصاً الشباب منهم، يبقى السؤال الجوهري: ما هي قدرة
الشباب البدوي اليوم على المحافظة على هذه العادات والتقاليد التي تستحق
الاحترام والتقدير؟ ومواجهة الغزو الذي دخل في عاداتنا وتقاليدنا؟
ناهيك عن أهم غزوٍ أصيبوا به ألا وهو الغزو اللغوي
واستبدال بعض المصطلحات اللغوية العربية الأصيلة بمصطلحات عبرية ليست من لغتنا
أو من إرثنا اللغوي؟. ومن هنا يجب وضع طرق خاصة
لمحاربة هذه المشكلة التي تستفحل في عقولنا وفي إرثنا الثقافي.
وبدون شك، لا تُعالج هذه المشكلة
بمجرد كلامات عابرة لا يسمعها الجميع، لا، بل تستحق عقد الكثير من المؤتمرات
التي تتحدث عن المشاكل التي أصيب بها الشباب البدو وخصوصاً مشكلة اللغة العربية
البدوية الأصيلة. هنالك الكثير من الشباب الواعين لهذه
المشكلة الحقيقية التي تستفحل في عادتنا وتقاليدنا يوماً بعد يوم، ولكن
نريد أن نبدأ معاً جميعاً بدون استثناء لإيجاد طرق وحلولٍ مناسبة ترتكز على
معايير متعددة، سواءً اجتماعية أو اقتصادية أو سياسية، لإيجاد حلول مناسبة لهذه
المشكلة أو تقليص الآثار التي تسببها.. وأخيراً الاعتزاز والافتخار والإيمان
بعاداتنا وتقاليدنا هي التي ستكون أكبر موجِّه أمام هذه التغيرات التي لا تترك
شيئاً إلا وتغيّره. |